صحيحة زرارة الثالثة 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 4110


 ومن جملة ما استدلّ به على حجية الاستصحاب: صحيحة ثالثة لزرارة «وإذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع، وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اُخرى، ولا شيء عليه ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنّه ينقض الشك باليقين، ويتم على اليقين، فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات»(1).

 والاستدلال بها مبني على كون المراد باليقين في قوله (عليه السلام): «ولا ينقض اليقين بالشك» هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة، فيكون المراد أ نّه كان متيقناً بعدم الاتيان بها فشك، ولا ينقض اليقين بالشك، بل يبني على عدم الاتيان فيقوم ويضيف إليها ركعة اُخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 216 و 217 / أبواب الخلل في الصلاة ب 10 ح 3.

ــ[70]ــ

 وقد استشكل في الاستدلال بهذه الصحيحة باشكالين:

 أحدهما: أ نّها مختصة بالشك في عدد الركعات، بل بخصوص الشك بين الثلاث والأربع، لأنّ الضـمائر في قوله (عليه السلام): «قام فأضاف» وقوله (عليه السلام): «لا ينقض اليقين بالشك» وغيرها مما هو مذكور إلى آخر الصحيحة، راجعة إلى المصلي الذي لا يدري في ثلاث هو أو أربع، ولا وجه للتعدي عن المورد إلى غيره، إذ ليس فيها إطلاق أو عموم نتمسك به كعموم التعليل في الصحيحتين السابقتين.

 وربّما يجاب عنه: بأن ذكر هذا اللفظ ـ أي لا ينقض اليقين بالشك ـ في روايات اُخر واردة في غير الشك بين الثلاث والأربع يشهد بعدم اختصاص هذه الصحيحة بالشك بين الثلاث والأربع.

 وفيه: أ نّه إن تمّت دلالة الروايات الاُخر على حجية الاستصحاب، فهي المعتمد عليها دون هذه الصحيحة، وإلاّ فكيف تكون قرينة على عدم اختصاص هذه الصحيحة بالشك بين الثلاث والأربع مع ظهورها في الاختصاص.

 ويمكن القول بعدم اختصاص الصحيحة بالمورد، لما في ذيلها من قوله (عليه السلام): «ولا يعتد بالشك في حال من الحـالات» فانّه قرينة على أنّ المراد أنّ الشك مما لا يجوز نقض اليقين به في حال من الحالات، بلا اختصاص بشيء دون شيء.

 ثانيهما: ما ذكره الشيخ(1) (قدس سره) وهو أ نّه إن كان المراد من قوله (عليه السلام): «قام فأضاف إليها اُخرى» هي الركعة المنفصلة كما عليه مذهب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فرائد الاُصول 2: 567 و 568.

ــ[71]ــ

الإمامية، فليس المراد من اليقين هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة، بل المراد منه اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر، ثمّ الاتيان بركعة اُخرى منفصلة، فانّه حينئذ يتيقن ببراءة ذمته، إذ على تقدير الاتيان بالثلاث تكون هذه الركعة متممة لها، ولا تقدح زيادة التكبير والتشهد والتسليم، وعلى تقدير الاتيان بالأربع تكون هذه الركعة نافلة، بخلاف ما إذا بنى على الأقل وأضاف ركعة متصلة، فانّه يحتمل حينئذ الاتيان بخمس ركعات، أو بنى على الأكثر ولم يأت بركعة منفصلة، لاحتمال النقصان فلا يقين له بالبراءة، فقد علّمه الإمام (عليه السلام) طريق الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة كا صرّح بهذا المعنى في رواية اُخرى بقوله (عليه السلام): «ألا اُعلّمك شيئاً إذا صنعته ثمّ ذكرت أ نّك نقصت أو أتممت لم يكن عليك شيء(1)... » وقد اُطلق اليقين على هذا المعنى ـ أي الاحتياط واليقين بالبراءة ـ في روايات اُخر كما في قوله (عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين»(2) وتكون الصحيحة على هذا المعنى دالةً على وجوب الاحتياط وأجنبية عن الاستصحاب.

 وإن كان المراد هي الركعة المتصلة فلا بدّ من حمل الجملة على التقية، لكون مفادها مخالفاً للمذهب وموافقاً للعامة، وعليه فالمراد باليقين وإن كان هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة، إلاّ أ نّه لا يمكن الاستدلال بها على حجية الاستصحاب لورودها مورد التقية.

 والالتزام بأنّ أصل القاعدة ـ وهي عدم جواز نقض اليقين بالشك ـ قاعدة واقعية، وإنّما التقية في تطبيقها على المورد ـ أي الشك بين الثلاث والأربع في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

(2) الوسائل 8: 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 2.

ــ[72]ــ

عدد الركعات ـ مخالف للأصل من جهة اُخرى، فانّ الأصل في التطبيق هو التطبيق الحقيقي، لا التطبيق تقيةً، فتلزم مخالفة الأصل من وجهين. هذا ملخص ما ذكره الشيخ (قدس سره) من الاشكال على الاستدلال بالصحيحة.

 وأجاب عنه صاحب الكفاية (1): بأنّ الصحيحة ساكتة عن كون الركعة الاُخرى متصلة أو منفصلة، بل تدل على عدم جواز نقض اليقين بالشك، والبناء على الأقل، والاتيان بركعة اُخرى بل قيد الاتصال أو الانفصال، وأخذنا قيد الانفصال من روايات اُخر دالّة على وجوب البناء على الأكثر والاتيان بالمشكوك فيها منفصلة، فمقتضى الجمع بين الصحيحة وهذه الروايات هو تقييد الصحيحة بها والحكم بوجوب الاتيان بركعة اُخرى منفصلة.

 وذكر بعض الأعاظم(2) أنّ الاستصحاب في الشك في عدد الركعات غير جار في نفسه، مع قطع النظر عن الأخبار الخاصة الدالة على وجوب الاحتياط، وذلك لوجوب التشهد والتسليم في الركعة الرابعة، وفي الشك بين الثلاث والأربع غاية ما يثبت بالاستصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة، وبعد الاتيان بركعة اُخرى لا يمكن اثبات كونها هي الركعة الرابعة ليقع التشهد والتسليم فيها، إلاّ على القول بالأصل المثبت ولا نقول به. ولعل هذا هو السر في إلغاء الفقهاء الاستصحاب في الشكوك الواقعة في عدد الركعات على ما هو المعروف بينهم، انتهى.

 هذه هي كلمات الأساطين في المقام، وكلّها قابل للمناقشة.

 أمّا الأخير وهو أنّ الاستصحاب في الشك في عدد الركعات قاصر في نفسه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 396.

(2) نهاية الأفكار 4: 60.

ــ[73]ــ

مع قطع النظر عن الأخبار الخاصة، ففيه:

 أوّلاً: أ نّه ليس لنا دليل على وجوب وقوع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة حتى نحتاج إلى إثبات كون هذه هي الركعة الرابعة، غاية ما دلّ الدليل عليه هو الترتيب بين أفعال الصلاة بأن يقع الحمد بعد التكبير، والسورة بعد الحمد، والركوع بعد السورة، والسجدة بعد الركوع، والتشهد بعد السجدة الثانية من الركعة الرابعة مثلاً، والتسليم بعد التشهد، ومحصل هذا الترتيب وجوب الاتيان بالتشهد والتسليم بعد الركعة الرابعة مثلاً، فاذا شك المكلف بين الثلاث والأربع وبنى على الثلاث للاستصحاب وأتى بركعة اُخرى، فهو متيقن بالاتيان بالركعة الرابعة فيجوز له الاتيان بالتشهد والتسليم، غاية الأمر أ نّه لا يدري أ نّه أتى بالأربع فقط أو مع الزيادة، وهو غير قادح في وقوع التشهد والتسليم بعد الركعة الرابعة وحصول الترتيب.

 وثانياً: ـ على فرض تسليم أ نّه يجب وقوع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة ـ أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب لولا الأخبار الخاصة، فانّه بعد الاتيان بركعة اُخرى ـ بمقتضى استصحاب عدم الاتيان بالرابعة ـ يتيقن بكونه في الركعة الرابعة، غاية الأمر أ نّه لا يدري أنّ الكون في الركعة الرابعة هو الآن أو قبل ثلاث دقائق مثلاً وخرج عنه فعلاً، فيجري استصحاب عدم الخروج عن الكون في الركعة الرابعة، ويترتب عليه وجوب التشهد والتسليم، ولا يضر بالاستصحاب المذكور عدم العلم بخصوصية الكون كما في القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

 فتحصّل: أنّ المانع عن جريان الاستصحاب في الشك في عدد الركعات هي النصوص الخاصة الواردة في الشكوك الصحيحة، ولولاها لجرى الاستصحاب كما عليه العامـة. وأمّا في غير الشكوك الصحيحة كالشك بين الأربع والست

ــ[74]ــ

مثلاً فالوجه في عدم جواز الرجوع إلى الاستصحاب هو صحيحة صفوان الدالة على وجوب الاعادة لمطلق الشك في عدد الركعات، وهي قوله (عليه السلام): «إن كنت لاتدري كم صلّيت، ولم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة»(1) ونقيدها بغير الشكوك الصحيحة لأجل النصوص الخاصة، وفي غيرها نحكم بالبطلان لأجل هذه الصحيحة، ولولا الصحيحة والنصوص الخاصة لم يكن مانع عن الرجوع إلى الاستصحاب كما عليه العامة.

 وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من أنّ الصحيحة ساكتة عن قيد الاتصال والانفصال فيقيّد إطلاقها بروايات اُخر دالة على وجوب الاتيان بركعة منفصلة، ففيه: أنّ مقتضى أدلة الاستصحاب هو البناء على اليقين السابق وعدم الاعتناء بالشك الطارئ، وفرض وجوده بمنزلة العدم، ولازم ذلك وجوب الاتيان بركعة اُخرى متصلة، فليس التنافي ـ بين الصحيحة على تقدير دلالتها على الاستصحاب وبين الروايات الاُخر ـ بالاطلاق والتقييد حتى يجمع بينهما بتقييد الصحيحة بها، بل بالتباين، لدلالة الصحيحة على وجوب الاتيان بركعة اُخرى متصلة، والروايات الاُخر على وجوب الاتيان بها منفصلة، فالأخذ بالصحيحة يستلزم رفع اليد عن الروايات الاُخر التي عليها اعتماد المذهب.

 وأمّا ما ذكره الشيخ من الاشكال على الاستدلال بالصحيحة، ففيه: أ نّه لا تلزم من الاستدلال بها مخالفة المذهب، وذلك لما مرّ آنفاً من أنّ معنى دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء هو توسعة الواقع، لعدم معقولية التحفظ على الواقع مع إجزاء شيء آخر عنه، فمعنى إجزاء الصلاة الواقعـة فيها زيادة التشهد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 225 و 226 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

ــ[75]ــ

والتسليم عن الواقع هو توسعة الواقع، بمعنى أنّ الواجب على المتيقن هو الصلاة بلا زيادة التشهد والتسليم، وعلى الشاك بين الثلاث والأربع مثلاً، هو الصلاة الواقعة فيها زيادة التشهد والتسليم، لكن مع التقييد بعدم الاتيان بالركعة الرابعة في الواقع، لأنّ المستفاد من الروايات أنّ وجوب الاتيان بالركعة المنفصلة على الشاك بين الثلاث والأربع مختص بما إذا لم يأت بالرابعة في الواقع، فمن شك بين الثلاث والأربع وبنى على الأربع وتشهّد وسلّم، ثمّ لم يأت بالركعة المنفصلة نسياناً أو عمداً، ثمّ انكشف أ نّه أتى بالركعة الرابعة، ليس عليه شيء، فيكون الموضوع لوجوب الركعة المنفصلة المكلف المقيّد بأمرين: الأوّل: كونه شاكاً. الثاني: كونه غير آت بالرابعة، فاذا شك المكلف بين الثلاث والأربع، فقد حصل أحد القيدين بالوجدان وهو الشك، والقيد الآخر ـ وهو عدم الاتيان بالرابعة ـ يحرز بالاستصحاب، لكونه متيقناً بعدم الاتيان وشك فيه، فيحكم بوجوب الاتيان بالركعة المنفصلة.

 فتلخّص مما ذكرنا: أنّ مقتضى الاستصحاب بملاحظة الأخبار الخاصة هو الاتيان بالركعة المنفصلة لا الاتيان بالركعة المتصلة حتى يكون العمل به مخالفاً للمذهب، بل في نفس الصحيحة قرينة على أنّ المراد من قوله (عليه السلام): «قام وأضاف إليها ركعة اُخرى» هي الركعة المنفصلة، وهي قوله (عليه السلام) في صدر الصحيحة لبيان حكم الشك بين الاثنين والأربع: «يركع ركعتين بفاتحة الكتاب»(1)، فان تعيين الفاتحة يدل على كون المراد ركعتين منفصلتين، وإلاّ كان مخيراً بين الفاتحة والتسبيحات، بل لعل الأفضل الاتيان بالتسبيحات، فيكون المراد من قوله (عليه السلام): «قام وأضاف إليها ركعة اُخرى» أيضاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8: 220 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 3.

ــ[76]ــ

هي الركعة المنفصلة، لكون هذه الركعة في الشك بين الثلاث والأربع من سنخ الركعتين السابقتين في الشك بين الاثنين والأربع.

 وفي الصحيحة قرينة اُخرى على كون المراد هي الركعة المنفصلة، وهي قوله (عليه السلام): «ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر» فان ظاهر عدم خلط الشك باليقين وبالعكس هو الاتيان بالركعة المشـكوكة منفصلةً عن الركعات المتيقنة.

 فتلخّص مما ذكرنا: صحة الاستدلال بالصحيحة، غاية الأمر أنّ مقتضى الاستصحاب بملاحظـة الأخبار الخاصة هو الاتيان بالركعة المشكوك فيها منفصلة.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net