الكلام في مجهولي التاريخ - المنع عن الاستصحاب في موردين 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 3056


 ويقع الكلام أوّلاً في مجهولي التاريخ فنقول: إذا كان الأثر للوجود بمفاد كان التامة، كما إذا فرض أنّ الارث مترتب على تقدم موت المورّث على موت الوارث، فلا مانع من التمسك بأصالة عدم السبق، فيحكم بعدم الارث. وهذا واضح فيما كان الأثر لسبق أحد الحادثين على الآخر ولم يكن لسبق الحادث الآخر على هذا الحادث أثر. وأمّا إذا كان الأثر لسبق كل منهما على الآخر فيتمسك أيضاً بأصالة عدم السبق في كل منهما، ولا معارضة بين الأصلين لاحتمال التقارن. نعم، لو كان الأثر لسبق كل منهما على الآخر وكان لنا علم إجمالي بسبق أحدهما على الآخر، لا تجري أصالة عدم السبق في أحدهما، للمعارضة بأصالة عدم السبق في الآخر، فجريان الأصل فيهما موجب للمخالفة القطعية، وفي أحدهما ترجيح بلا مرجح.

 وأمّا لو كان الأثر لسبق أحدهما على الآخر وكان لتأخره عن الآخر أيضاً أثر، فلا مانع من جريان الاستصحاب في عدم السبق والتأخر، ولا معارضة بينهما لاحتمال التقارن. نعم، في مورد العلم الاجمالي بسبق أحدهما على الآخر لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم السبق، للمعارضة بأصالة عدم التأخر.

 وأمّا إن كان الأثر للوجود بمفاد كان الناقصة، كما إذا فرض أنّ الارث مترتب على كون موت المورّث متصفاً بالتقدم على موت الوارث، فاختار صاحب الكفاية (قدس سره) (1) عدم جريان الاستصحاب فيه، لعدم كون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 419.

ــ[216]ــ

الوجود بمفاد كان الناقصة متعلقاً لليقين والشك، فانّه لم يكن لنا علم باتصاف أحدهما بالسبق على الآخر ولا بعدم اتصافه به حتى يكون مورداً للاستصحاب. وهذا الكلام مخالف لما ذكره في بحث العام والخاص(1) من أ نّه إذا ورد عموم بأنّ النساء تحيض إلى خمسين عاماً إلاّ القرشية، وشككنا في كون امرأة قرشية، فلا يصح التمسك بالعموم المذكور، لكون الشبهة مصداقية، إلاّ أ نّه لا مانع من إدخالها في العموم للاستصحاب، فنقول: الأصل عدم اتصافها بالقرشية، لأ نّها لم تتصف بهذه الصفة حين لم تكن موجودة، ونشك في اتصافها بها الآن والأصل عدم اتصافها بها. هذا ملخص كلامه في مبحث العام والخاص، وهو الصحيح على ما شيدناه في ذلك المبحث(2)، خلافاً للمحقق النائيني(3) (قدس سره) فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام.

 فنقول: الأصل عدم اتصاف هذا الحادث بالتقدم على الحادث الآخر، لأ نّه لم يتصف بالتقدم حين لم يكن موجوداً فالآن كما كان، ولا يعتبر في استصحاب عدم الاتصاف بالسبق وجوده في زمان مع عدم الاتصاف به، بل يكفي عدم اتصافه به حين لم يكن موجوداً، فانّ اتصافه به يحتاج إلى وجوده، وأمّا عدم اتصافه به فلا يحتاج إلى وجوده، بل يكفيه عدم وجوده، فانّ ثبوت شيء لشيء وإن كان فرع ثبوت المثبت له، إلاّ أنّ نفي شيء عن شيء لا يحتاج إلى وجود المنفي عنه، وهذا معنى قولهم: إنّ القضية السالبة لا تحتاج إلى وجود الموضوع.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 223.

(2) محاضرات في اُصول الفقه 4: 360 وما بعدها.

(3) أجود التقريرات 2: 328 وما بعدها، فوائد الاُصول 2: 530 وما بعدها.

ــ[217]ــ

 فتحصّل مما ذكرناه: جريان الاستصحاب في هذا القسم أيضاً، ويجري فيه ما ذكرناه في القسم الأوّل من عدم المعارضة إلاّ مع العلم الاجمالي، فلا حاجة إلى الاعادة.

 وإن كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر، فتارةً يكون الأثر للعدم بمفاد ليس التامة الذي يعبّر عنه بالعدم المحمولي. واُخرى للعدم بمفاد ليس الناقصة المعبّر عنه بالعدم النعتي، فان كان الأثر للعدم النعتي، لا يجري الاستصحاب فيه على مسلك صاحب الكفاية(1) (قدس سره) لعدم اليقين بوجود هذا الحادث متصفاً بالعدم في زمان حدوث الآخر، ومن الظاهر أنّ القضية إذا كانت معدولة، فلا بدّ فيها من فرض وجود الموضوع، بخلاف القضية السالبة كقولنا: زيد ليس بقائم، فانّ صدقها غير متوقف على وجود الموضوع، لأنّ مفاد القضية السالبة سلب الربط، فلا يحتاج إلى وجود الموضوع. وأمّا معدولة المحمول فبما أنّ مفادها ربط السلب، لزم فيه وجود الموضوع لا محالة، هذا توضيح مراده (قدس سره).

 والانصاف أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب في هذا القسم أيضاً، فانّه وإن لم يمكن ترتيب آثار الاتصاف بعدم وصف باستصحاب عدم ذلك الوصف، لأ نّه لا يثبت به العدم المأخوذ نعتاً، إلاّ أ نّه يمكن ترتيب عدم الاتصاف بذلك الوصف باجراء الاستصحاب في عدم الاتصاف، فانّ الاتصاف مسبوق بالعدم كما مرّ، فحال القسم الثالث حال القسم الثاني في جريان الاستصحاب.

 وأمّا إن كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر بنحو مفاد ليس التامة المعبّر عنه بالعدم المحمولي، فيجري فيه الاستصحاب في نفسه على مسلك شيخنا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كفاية الاُصول: 420.

ــ[218]ــ

الأنصاري(1) (رحمه الله) وجماعة من المحققين، ولكنّه يسقط بالمعارضة فيما إذا كان عدم كل واحد منهما في زمان الآخر ذا أثر شرعي. وذهب صاحب الكفاية(2) (قدس سره) إلى عدم جريان الاستصحاب في نفسه مع قطع النظر عن المعارضة، فاذن لا ثمرة عملية فيما إذا كان عدم كل من الحادثين في زمان الآخر ذا أثر شرعي كموت المتوارثين، لعدم جريان الاستصحاب على كل حال إمّا لأجل المعارضة ـ كما عليه الشيخ (قدس سره) وأتباعه ـ وإمّا لعدم شمول الأدلة له ـ كما عليه صاحب الكفاية (قدس سره) ـ فهو بحث علمي بحت.

 نعم، فيما إذا كان الأثر لأحدهما دون الآخر، كان البحث ذا أثر عملي، فانّه يجري الاستصحاب في طرف ما له أثر على مسلك الشيخ (قدس سره) لعدم المعارض، ولا يجري على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) وأمثلته كثيرة:

 منها: ما لو علمنا بموت أخوين لأحدهما ولد دون الآخر، وشككنا في تقدم كل منهما على الآخر، فاستصحاب عدم موت مَن له ولد إلى زمان موت الآخر يترتب عليه إرثه منه، بخلاف استصحاب عدم موت مَن لا ولد له إلى زمان موت الآخر، فانّه لا يترتب عليه أثر، لكون الوارث له ولد ولو كان موته قبل موت من لا ولد له.

 ومنها: ما إذا شككنا في تقدم موت الوالد على إسلام الولد، فانّ استصحاب عدم إسلام الولد إلى زمان موت الوالد يترتب عليه عدم إرثه منه، بخلاف استصحاب عدم موت الوالد إلى زمان إسلام الولد، فانّه لا يترتب عليه أثر، إذ قد يكون الوالد حياً بالوجدان وله وارث مسلم، ولا يترتب عليه أثر، لأنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فرائد الاُصول 2: 667.

(2) كفاية الاُصول: 420 و 421.

ــ[219]ــ

الأثر مترتب على الموت عن وارث مسلم، فكيف بالحياة الاستصحابي مع وارث مسلم، ففي مثل هذه الأمثلة يجري الاستصحاب على مسلك الشيخ (قدس سره) في أحد الطرفين لعدم المعارض لعدم الأثر للاستصحاب في الطرف الآخر، ولا يجري الاستصحاب على مذهب صاحب الكفاية (قدس سره).

 وملخص ما ذكره في الكفاية في توجيه عدم جريان الاستصحاب: أ نّه لا بدّ في جريان الاستصحاب من اتصال زمان الشك بزمان اليقين فانّه هو المستفاد من كلمة «فاء» في قوله (عليه السلام): «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت»(1) فلا تشمل أدلة الاستصحاب موارد انفصال زمان الشك عن زمان اليقين، بل ولا موارد احتمال الانفصال. أمّا موارد الانفصال اليقيني، فعدم جريان الاستصحاب فيها واضح، فانّه إذا تيقنا بالطهارة ثمّ بالحدث ثمّ شككنا في الطهارة، لا مجال لجريان استصحاب الطهارة مع وجود اليقين والشك بالنسبة إليها، لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين بل يجري فيه استصحاب الحدث.

 وأمّا موارد احتمال الانفصال، فلأنّ الشبهة حينئذ مصداقية، فلا يمكن الرجوع معه إلى العموم حتى على القول بجواز التمسك به فيها، فانّ القائل به إنّما يدّعي ذلك فيما إذا نعقد للعام ظهور وكان المخصص منفصلاً، كما إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء ثمّ ورد دليل آخر على عدم وجوب إكرام الفسّاق منهم، وشككنا في أنّ زيداً عادل أو فاسق، وأمّا إذا كان المخصص متصلاً ومانعاً عن انعقاد الظهور في العموم من أوّل الأمر، كما إذا قال المولى: أكرم العالم العادل وشككنا في عدالة زيد، فلم يقل أحد بجواز التمسك بالعموم فيه.

 والمقام من هذا القبيل، لما ذكرناه من أنّ أدلة حجية الاستصحاب قاصرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 3: 466 / أبواب النجاسات ب 37 ح 1.

ــ[220]ــ

عن الشمول لموارد الانفصال، فاذا لم يحرز الاتصال لم يمكن التمسك بها، وحيث إنّ الحادثين في محل الكلام مسبوقان بالعدم ويشك في المتقدم منهما مع العلم بحدوث كل منهما، فلم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين، فلا مجال لجريان الاستصحاب.

 وتوضيح ذلك يحتاج إلى فرض أزمنة ثلاثة: زمان اليقين بعدم حدوث كل من الحادثين، وزمان حدوث أحدهما بلا تعيين، وزمان حدوث الآخر كذلك. فنفرض أنّ زيداً كان حياً في يوم الخميس، وابنه كان كافراً فيه، فعدم موت المورّث وعدم إسلام الوارث كلاهما متيقن يوم الخميس، وعلمنا بحدوث أحدهما لا بعينه يوم الجمعة وبحدوث الآخر يوم السبت، ولا ندري أنّ الحادث يوم الجمعة هو إسلام الولد حتى يرث أباه، أو موت الوالد حتى لا يرثه لكونه كافراً حين موت أبيه، فان لوحظ الشك في حدوث كل من الحادثين بالنسبة إلى عمود الزمان، يكون زمان الشك متصلاً بزمان اليقين، فانّ زمان اليقين بالعدم يوم الخميس وزمان الشك في حدوث كل واحد من الحادثين يوم الجمعة وهما متصلان، فلا مانع من جريان استصحاب عدم حدوث الاسلام يوم الجمعة.

 إلاّ أ نّه لا أثر لهذا الاستصحاب، فان عدم إرث الولد من والده ليس مترتباً على عدم إسلامه يوم الجمعة، بل على عدم إسلامه حين موت أبيه، فلا بدّ من جريان الاستصحاب في عدم الاسلام في زمان حدوث موت الوالد. وزمان حدوث موت الوالد مردد بين الجمعة والسبت، فان كان حدوثه يوم الجمعة، فزمان الشك متصل بزمان اليقين، وإن كان يوم السبت، فزمان الشك غير متصل بزمان اليقين، لأن زمان اليقين يوم الخميس على الفرض وزمان الشك يوم السبت، فيوم الجمعة فاصل بين زمان اليقين وزمان الشك، ومع احتمال

 
 

ــ[221]ــ

انفصال زمان الشك عن زمان اليقين لا مجال للتمسك بدليل حجية الاستصحاب، لما عرفت من أنّ الشبهة مصداقية، هذا ملخص ما ذكره في الكفاية متناً وهامشاً.

 والانصاف أ نّه لا يرجع إلى محصّل، لما عرفت سابقاً (1) من أ نّه لا يعتبر في الاستصحاب سبق اليقين على الشك، لصحة جريان الاستصحاب مع حدوثهما معاً، وإنّما المعتبر تقدم زمان المتيقن على زمان المشكوك فيه، بأن يكون المتيقن هو الحدوث والمشكوك فيه هو البقاء. وما يستفاد من ظاهر قوله (عليه السلام): «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت» من حدوث الشك بعد اليقين، فهو ناظر إلى غلبة الوقوع في الخارج، لا أ نّه معتبر في الاستصحاب. نعم، فيما إذا كان الشك حادثاً بعد اليقين يعتبر في جريان الاستصحاب فيه اتصال زمان الشك بزمان اليقين، بمعنى عدم تخلل يقين آخر بينهما كما في المثال المتقدم، وإلاّ لم يصدق نقض اليقين بالشك، بل يصدق نقض اليقين باليقين، وعليه فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام، فانّه بعد اليقين بعدم إسلام الولد يوم الخميس نشك في بقائه إلى زمان موت والده، ولم يتخلل بين اليقين والشك يقين آخر حتى يكون فاصلاً بين اليقين الأوّل والشك.

 ولاتتصور الشبهة المصداقية في الاُمور الوجدانية من اليقين والشك وغيرهما من الادراكات، فانّه لا معنى للشك في أنّ له يقين أم لا، أو في أنّ له شك أم لا. نعم، الشبهة المصداقية متصورة في الاُمور الخارجية، كعدالة زيد وفسق عمرو مثلاً، فلا معنى للشك في أنّ زمان الشك هل هو يوم الجمعة حتى يكون متصلاً بزمان اليقين، أو يوم السبت فيكون منفصلاً عنه، بل الشك في حدوث الاسلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 8.

ــ[222]ــ

في زمان حدوث الموت موجود يوم السبت ـ مع اليقين بعدم الاسلام يوم الخميس ـ فليس لنا تردد في زمان الشك أصلاً. نعم، لنا شك في زمان الموت واقعاً لاحتمال كونه يوم الجمعة أو يوم السبت، فان كان الموت يوم الجمعة، فلا محالة يكون الاسلام يوم السبت، وإن كان الموت يوم السبت، فيكون الاسلام يوم الجمعة، للعلم الاجمالي بكون أحدهما يوم الجمعة والآخر يوم السبت، وهذا التردد لا يضر باستصحاب عدم الاسلام حين الموت، لتمامية أركانه من اليقين والشك بلا تخلل يقين آخر بينهما، كيف ولو كان مثل هذا التردد مانعاً عن جريان الاستصحاب، لكان مانعاً عنه في سائر المقامات أيضاً، كما إذا علمنا بأنّ زيداً إن شرب السم الفلاني فقد مات قطعاً، وإن لم يشرب فهو حي، فاحتمال شرب السم وعدمه صار منشأ للشك في بقاء حياته، ولا يضر باستصحاب حياته، فكذا التردد في كون الموت يوم الجمعة أو يوم السبت في المقام صار موجباً للشك في حدوث الاسلام حين الموت، ولا يضر بالاستصحاب، لتمامية أركانه من اليقين والشك.

 وربّما يقال في توجيه كلام صاحب الكفاية (قدس سره): إنّ الشك في المقام لا يعرض إلاّ بعد اليقين بالانتقاض، لأنّ الشك في حدوث الاسلام حين الموت لا يعرض إلاّ بعد العلم بالموت، ولا علم بالموت إلاّ في يوم السبت، ومعه نعلم بوجود الاسلام أيضاً، فيكون زمان الشك هو يوم السبت، وزمان اليقين بعدم الاسـلام يوم الخميس، ويوم الجمعة فاصل بينهما، فيكون المقام مما انفصل زمان الشك عن زمان اليقين يقيناً، لا مما يحتمل الانفصال حتى يقال إنّ الشبهة المصداقية غير متصور في الاُمور الوجدانية.

 وهذا التوجيه ـ مع أ نّه ليس بمراد لصاحب الكفاية (قدس سره) وإلاّ علل عدم جريان الاستصحاب باحراز الانفصال لا بعدم إحراز الاتصال ـ غير تام

ــ[223]ــ

في نفسه، لما ذكرناه مراراً من أ نّه لا يعتبر في الاستصحاب كون اليقين سابقاً على الشك، بل يكفي حدوثهما في زمان واحد، بأن يكون اليقين متعلقاً بالحدوث والشك متعلقاً بالبقاء، والمقام كذلك، فانّه في يوم السبت بعد العلم بوجود الموت والاسلام فعلاً لنا يقين بعدم الاسلام وبعدم الموت يوم الخميس، وشك في حدوث الاسلام حين الموت، فعدم الاسلام حين الموت متعلق لليقين حدوثاً، ومتعلق للشك بقاءً، ومعنى اتصال الشك باليقين عدم تخلل يقين آخر بينهما. وليس في المقام يقين آخر فاصل بين اليقين الأوّل والشك حتى يكون من نقض اليقين باليقين، لأنّ اليقين الآخر متعلق بوجود الاسلام فعلاً، وهو ليس بناقض لليقين الأوّل، لعدم كونه متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين الأوّل، لأن متعلق اليقين الأوّل حدوثاً ومتعلق الشك بقاءً هو عدم الاسلام حين الموت، ومتعلق هذا اليقين هو وجود الاسلام فعلاً، فلا يرتبط أحدهما بالآخر.

 فتحصّل مما ذكرناه: أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب فيما إذا كان الأثر لأحدهما، ويسقط للمعارضة فيما إذا كان الأثر لكل واحد منهما كما عليه الشيخ (قدس سره) وجماعة من المحققين.

 ثمّ إنّه ربّما يمنع من جريان الاستصحاب في موردين بتوهم أ نّهما من الشبهة المصداقية من حيث اعتبار عدم تخلل يقين آخر بين اليقين السابق والشك اللاحق، ونتعرض لهما بالمناسبة وإن لم يكن لهما دخل بمسألة مجهولي التاريخ:

 أحدهما: ما ذكره بعـض الأكابر، وهو ما إذا علمنا بعدالة زيد مثلاً في زمان، وشككنا في بقائها الآن، ولكن نحتمل كوننا متيقنين بفسقه بعد اليقين بعدالته، فلا يجري استصحاب العدالة، لاحتمال تخلل اليقين بالفسق بين اليقين بالعدالة والشك في بقائها، فتكون الشبهة مصداقية.

 وفيه: ما مرّ مراراً من أ نّه لا يعتبر في الاستصحاب سبق اليقين على الشك،

ــ[224]ــ

بل يكفي حدوثهما معاً، فمع فرض اليقين الفعلي بحدوث العدالة والشك في بقائها لا يمنع من جريان الاستصحاب احتمال وجود اليقين بفسقه سابقاً، بل لا يقدح في الاستصحاب اليقين بوجود اليقين بفسقه، مع احتمال كون اليقين بالفسق مخالفاً للواقع، فضلاً عن احتمال اليقين بفسقه. فاذا علمنا يوم الجمعة بعدالة زيد، ثمّ علمنا بفسقه يوم السبت، ثمّ تبدل اليقين بفسقه بالشك الساري فيه يوم الأحد، فيوم الأحد نعلم بحدوث عدالته يوم الجمعة ونشك في بقائها الآن، لاحتمال كون اليقين بفسقه يوم السبت مخالفاً للواقع، فباعتبار هذا اليقين الفعلي يوم الأحد بحدوث العدالة يوم الجمعة والشك في بقائها يجري الاستصحاب. ولا يقدح فيه اليقين بالفسق بعد تبدله بالشك الساري، فكيف باحتمال اليقين بالفسق.

 مضافاً إلى أ نّه لو كان احتمال اليقين مانعاً عن جريان الاستصحاب، لمنع منه في كثير من الموارد التي لا يلتزم بعدم جريان الاستصحاب فيها أحد، وهي الموارد التي يكون ارتفاع المتيقن السابق فيها مستلزماً للعلم بالارتفاع، فيكون احتمال الارتفاع ملازماً لاحتمال العلم بالارتفاع، كما إذا كان زيد محدثاً وشك في الطهارة من الوضوء أو الغسل، فانّ احتمال ارتفاع الحدث بالوضوء أو الغسل ملازم لاحتمال العلم، لأنّ الوضوء والغسل من الاُمور العبادية التي لا يمكن تحققها إلاّ مع العلم والالتفات، فلا بدّ من القول بعدم جريان الاستصحاب على المبنى المذكور، لاحتمال العلم بالانتقاض، ولا يلتزم به أحد.

 ثانيهما: ما ذكره المحـقق النائيني رداً على السيد (قدس سره) في العروة وبيانه: أنّ السيد (قدس سره) ذكر في العروة(1) أ نّه إذا علمنا بنجاسة إناءين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العروة الوثقى 1: 115 / فصل في طرق ثبوت التطهير، المسألة 2 [ 394 ].

ــ[225]ــ

مثلاً، ثمّ علمنا بطهارة أحدهما، فيتصور ذلك بصور ثلاث: الاُولى: أن نعلم بطهارة أحدهما علماً تفصيلياً، فاشتبه الطاهر المعلوم بالتفصيل بغيره. الثانية: أن نعلم بطهارة أحدهما لا بعينه بحيث لا يكون للطاهر تعيّن وامتياز بوجه من الوجوه، بل يمكن أن لايكون له في الواقع أيضاً تعيّن، كما إذا كان كلاهما طاهراً في الواقع. الثالثة: أن نعلم بطهارة أحدهما بعنوان معيّن ونشك في انطباقه، كما إذا علمنا بطهارة إناء زيد وشككنا في انطباق هذا العنوان على هذا الاناء أو ذاك.

 وحكم السيد (قدس سره) بنجاسة الاناءين في جميع هذه الصور الثلاث عملاً بالاستصحاب.

 وردّ عليه المحقق النائيني(1) (قدس سره) واختار عدم جريان الاستصحاب في جميعها، لكن لا بمناط واحد، بل حكم بعدم جريانه في الصورة الاُولى والثالثة، لكون الشبهة مصداقية، فانّا نعلم بانتقاض اليقين بالنجاسة باليقين بالطهارة بالنسبة إلى أحد الاناءين، إمّا باليقين التفصيلي ـ كما في الصورة الاُولى ـ وإمّا باليقين المتعلق بعنوان معيّن شككنا في انطباقه ـ كما في الصورة الثالثة ـ فلا مجال لجريان الاستصحاب في شيء من الاناءين، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون هو الاناء الذي انتقض العلم بنجاسته بالعلم بطهارته.

 وأمّا الصورة الثانية: فحكمه بعدم جريان الاستصحاب فيها ليس مبنياً على احتمال انفصال زمان الشك عن زمان اليقين بيقين آخر ـ كما في الصورة الاُولى والثالثة ـ فانّ الشك في بقاء النجاسة في كل منهما متصل باليقين بالنجاسة، ولم يتخلل بين زمان اليقين وزمان الشك يقين آخر، والعلم الاجمالي بطهارة أحدهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أجود التقريرات 4: 152 ـ 155، فوائد الاُصول 4: 513 ـ 515.

ــ[226]ــ

لا بعينه يكون منشأ للشك في بقاء النجاسة في كل منهما، بخلاف الصورة الاُولى والثالثة، فان منشأ الشك في بقاء النجاسة فيهما هو اجتماع الاناءين واشتباه الطاهر بالنجس لا العلم بطهارة أحدهما، فان متعلق العلم كان معلوماً بالتفصيل أو بالعنوان.

 فحكمه بعدم جريان الاستصحاب في الصورة الثانية مبني على أنّ العلم الاجمالي بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب ولو لم تلزم منه مخالفة عملية قطعية، كما اختاره الشيخ خلافاً لصاحب الكفاية (قدس سره). هذا ملخص مرام المحقق النائيني (قدس سره) في المقام.

 أقول: أمّا ما ذكره في الصورة الثانية من أنّ العلم الاجمالي بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب ـ ولو لم تلزم منه مخالفة عملية ـ فهو وإن كان خارجاً عن محل الكلام فعلاً، لأنّ الكلام في بيان الشبهة المصداقية المانعة عن جريان الاستصحاب، إلاّ أنّ الصحيح ما ذكره صاحب الكفاية من أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي ما لم تلزم منه مخالفة عملية، فان مؤدى الاستصحاب هو الحكم بنجاسة كل من الطرفين بخصوصه، وليس لنا علم بطهارة كل منهما بخصـوصه. والمثبت منه لا يكون حجة حتى على القول بكونه من الأمارات ـ كما هو المختار ـ فلا يكون مفاد استصحاب النجاسة في أحدهما بخصوصه هو الطهارة في الطرف الآخر حتى يكون معارضاً لاستصحاب النجاسة في الطرف الآخر، وسنتعرض لتفصيل ذلك في أواخر بحث الاستصحاب(1) إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 305 ـ 309.

ــ[227]ــ

 وأمّا ما ذكره في الصورة الاُولى والثالثة من عدم جريان الاستصحاب لكون الشبهة مصداقية، ففيه: أنّ الشبهة المصداقية غير متصورة في الاُمور الوجدانية من اليقين والشك، فانّه إن احتملت الطهارة في كل واحد من الاناءين في المثال المذكور، فهو شك بالوجدان، وإن لم تحتمل الطهارة فهو يقين كذلك، وقد مرّ غير مرة(1) أ نّه لايعتبر في الاستصحاب كون اليقين سابقاً على الشك، بل المعتبر كون المتيقن سابقاً على المشكوك فيه، فالميزان في جريان الاستصحاب هو اليقين الفعلي بالحدوث والشك الفعلي في البقاء، وهما موجودان بالنسبة إلى كل واحد من الاناءين بخصوصه.

 ولا يقدح في الاستصحاب احتمال كون هذا الاناء متعلقاً لليقين بالطهارة سابقاً، فانّ الاستصحاب جار باعتبار اليقين الفعلي بحدوث النجاسة مع الشك في بقائها لا باعتبار اليقين السابق، وقد ذكرنا(2) أنّ اليقين بكون هذا الاناء متعلقاً لليقين بالطهارة سابقاً لا يقدح في الاستصحاب مع وجود اليقين الفعلي بالنجاسة والشك في بقائها، فضلاً عن احتمال كون هذا الاناء متعلقاً لليقين السابق بالطهارة. نعم، اليقين السابق بالطهارة كان مانعاً عن استصحاب النجاسة حين وجوده.

 وبالجملة: بعد كون الميزان في الاستصحاب هو اليقـين الفعلي بالحدوث والشك الفعلي في البقاء، لا يضره اليقين السابق علماً أو احتمالاً. نعم، احتمال وجود اليقين الفعلي بالطهارة قادح في استصحاب النجاسة، ولكنّه غير متصور، لكون اليقين من الاُمور الوجدانية، فلا يتصور فيه الاحتمال كما تقدم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما في ص 8.

(2) في ص 224.

ــ[228]ــ

 هذا كله فيما إذا كان أحد الاناءين متعلقاً لليقين التفصيلي بالطهارة ثمّ اشتبه مع المتنجس.

 ومنه يظهر الكلام فيما إذا كان اليقين متعلقاً بعنوان شك في انطباقه، فانّ عدم قدح احتمال انطباق عنوان تعلق به اليقين في جريان استصحاب النجاسة أوضح من عدم قدح احتمال اليقين التفصيلي بطهارة أحدهما بعد كون الميزان في الاستصحاب هو اليقين الفعلي لا اليقين السابق، وقد ذكرنا سابقاً (1) نقضاً في المقام وهو أ نّه إذا رأينا جنازة عالم نحتمل انطباق هذا العنوان ـ أي العالم ـ على المقلَّد، فهل يكون هذا الاحتمال مانعاً عن استصحاب حياة المقلَّد، ولا أظن أن يلتزم به أحد.

 ومن متفرعات هذا الكلام: مسألة دوران الأمر بين كون الدم من المسفوح أو من المتخلف، بناءً على كون الدم مطلقاً نجساً ولو في الباطن كما هو المعروف، ولذا يعدّون خروج الدم المتعارف من المطهّرات لكونه مطهّراً للدم المتخلف، فاذا رأينا دماً في ثوبنا مثلاً، وشككنا في كونه من المسفوح أو من المتخلف، فربما يقال بجريان استصحاب النجاسة، لأنّ الدم كله نجس ولنا يقين بطهارة الدم المتخلف، ونشك في انطباقه على هذا الدم، فيجري استصحاب النجاسة. ولا يقدح فيه احتمال انطباق العنوان الذي كان متعلقاً لليقين بالطهارة.

 وقد يقال بجريان الاستصحاب الموضوعي، وهو أصالة عدم خروج هذا الدم من الذبيحة، فيحكم بطهارته.

 وقد منع المحقق النائيني(2) (قدس سره) جريان كلا الاستصحابين، لاحتمال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ص 145.

(2) أجود التقريرات 4: 155 و 156، فوائد الاُصول 4: 516 و 517.

ــ[229]ــ

انطباق عنوان المسفوح فيكون مانعاً عن جريان الاستصحاب الموضوعي، ولاحتمال انطباق عنوان المتخلف فيكون مانعاً عن جريان الاستصحاب الحكمي، أي استصحاب النجاسة.

 وقد ظهر مما ذكرناه أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب من هذه الجهة، إلاّ أ نّه مع جريان الاستصحاب الموضوعي لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي، فيكون الدم المذكور محكوماً بالطهارة، هذا ملخص الكلام في مجهولي التاريخ.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net