الفرق بين التعارض والتزاحم - أقسام التزاحم 

الكتاب : مصباح الاُصول - الجزء الثاني   ||   القسم : الأصول   ||   القرّاء : 5874


ــ[426]ــ
 

الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم

 اعلم أنّ التزاحم قد يطلق على تزاحم الملاكات، كما إذا كان في فعل جهة مصلحة تقتضي إيجابه، وجهة مفسدة تقتضي تحريمه، أو كان فيه جهة مصلحة تقتضي إيجابه، وجهة مصلحة تقتضي إباحته، فانّ الاباحة لا تلزم أن تكون ناشئة من عدم المصلحة وعدم المفسدة دائماً، بل قد تكون ناشئة من مصلحة في الترخيص، كما في قوله(عليه السلام): «لولا أن أشق على اُمّتي لأمرتهم بالسواك»(1)  يعني الترخيص في ترك السواك، وهو الاباحة بالمعنى الأعم، إنّما هو لمصلحة التسهيل على الاُمّة.

 والأمر في هذا التزاحم بيد المولى، فهو الذي يلاحظ الجهات، ويجعل الحكم طبقاً لما هو الأقوى من الملاكات. وليس للعبد إلاّ الامتثال بلا ملاحظة المصلحة أو المفسدة، بل لو فرض أنّ المولى قد اشتبه وجعل الوجوب بزعم كون المصلحة أقوى من المفسدة، وعلم العبد بتساويهما أو بكون المفسدة أقوى من المصلحة، يجب عليه الامتثال بحكم العقل، فانّه لو تركه معتذراً بكون المأمور به خالياً عن المصلحة، لا يسمع منه الاعتذار ويكون معاقباً عند العقلاء. كما أنّ الأمر في القوانين المجعولة من قبل الحكومات كذلك، فانّه لو خالفها أحد من الرعايا ـ اعتذاراً بوجود المفسدة أو بعدم المصلحة ـ لا يسمع منه ويكون معاقباً عند الحكّام، وحيث إنّه ليس للمكلف دخل في هذا التزاحم، فلا تترتب على البحث عنه ثمرة، فهو خارج عن محل البحث. والتزاحم بهذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 2: 17 و 19 / أبواب السواك ب 3 ح 4 و ب 5 ح 3.

ــ[427]ــ

المعنى مختص بمذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ـ كما عليه المشهور منهم ـ أو في نفس الأحكام كما عليه جماعة منهم. وأمّا على مذهب الأشاعرة القائلين بعدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أصلاً، فلا يتصور التزاحم بهذا المعنى.

 وقد يطلق التزاحم على تزاحم الأحكام في مقام الامتثال، بأن توجه إلى المكلف تكليفان يكون امتثال أحدهما متوقفاً على مخالفة الآخر لعجزه عن امتثال كليهما، كما إذا توقف إنقاذ الغريق على التصرف في الأرض المغصوبة، أو كان هناك غريقان لا يقدر المكلف إلاّ على إنقاذ أحدهما. وتحقق هذا التزاحم لا يتوقف على وجود الملاك في متعلقات الأحكام أو في نفسها، بل يمكن تحققه حتى على مذهب الأشاعرة القائلين بعدم تبعية الأحكام للملاكات أصلاً كما هو واضح، وهذا التزاحم هو المقصود بالبحث هنا.

 وملخص الفرق بينه وبين التعارض: أ نّه ليس في باب التزاحم تناف بين الدليلين من حيث المدلول أصلاً، إذ من الواضح عدم التنافي بين الدليل الدال على وجوب الانقاذ، والدليل الدال على حرمة التصرف في الغصب. نعم، القدرة مأخوذة في موضوع كلا الحكمين، إمّا من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، وإمّا من جهة اقتضـاء نفس التكليف ذلك، على خلاف بيننا وبين المحـقق النائيني(1) (قدس سره) وحيث إنّ المكلف لا يقدر على امتثال كلا التكليفين ـ على الفرض ـ يكون اختيار أحدهما تعييناً أو تخييراً موجباً لعجزه عن امتثال الآخر، فيكون الحكم الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه. ولا يلزم منه التصرف في دليله، إذ مفاد الأدلة الشرعية مفاد القضايا الحقيقية الدالة على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أجود التقريرات 2: 24.

ــ[428]ــ

ثبوت الحكم عند تحقق الموضوع، والدليل الدال على حكم لا يكون متكفلاً لبيان موضوعه من حيث التحقق والعدم، فكون المكلف قادراً أو غير قادر خارج عن مفاد الدليل، بل مفاده ثبوت التكليف عند تحقق القدرة، فنفي الحكم بانتفاء موضوعه لا يكون رفع اليد عن الدليل الدال عليه.

 وهذا بخلاف باب التعارض، إذ التنافي بين الدليلين من حيث المدلول ثابت فيه، سواء كان التنافي بينهما في تمام المدلول كما في المتباينين، أو في بعض المدلول كالعامين من وجه، فانّ التنافي بينهما في مادة الاجتماع فقط، فالأخذ بأحدهما ـ للترجيح أو التخيير ـ موجب لرفع اليد عن الآخر والحكم بعدم ثبوت مدلوله، فيكون الحكم الآخر منتفياً مع بقاء موضوعه لا بانتفائه، فانّ الأخذ بالدليل الدال على طهارة شيء موجب لرفع اليد عن الدليل الدال على نجاسته، فيكون الحكم بالنجاسة منفياً عن موضوعه لا منتفياً بانتفاء موضوعه، لبقاء الموضوع بحاله.

 وبعبارة اُخرى: ثبوت مدلول أحد الدليلين في باب التعارض يوجب انتفاء مدلول الآخر في مقام الجعل، بخلاف باب التزاحم، فان ثبوت أحدهما يوجب انتفاء موضوع الآخر، فيوجب انتفاءه في مرتبة الفعلية لانتفاء موضوعه، لا انتفاءه في مقام الجعل، ولذا يمكن التفكيك باعتبار الأشخاص في باب التزاحم، كما إذا كان أحدٌ قادراً على إنقاذ كلا الغريقين، والآخر قادراً على إنقاذ أحدهما فقط، فيتحقق التزاحم بالنسبة إلى الثاني دون الأوّل، بخلاف باب التعارض، إذ لا يمكن الحكم بالنجاسة في المثال الذي ذكرناه بالنسبة إلى شخص، وبالطهارة بالنسبة إلى آخر، بل تقديم أحد الدليلين على الآخر للترجيح أو التخيير يوجب الحكم بمدلوله من الطهارة أو النجاسة للجميع.

 وظهر بما ذكرناه ـ من أنّ التنافي بين الدليلين من حيث المدلول مأخوذ في

ــ[429]ــ

التعارض، وأ نّه لا تنافي بينهما في التزاحم أصلاً ـ كمال الفرق بينهما، فلا نحتاج إلى تأسيس أصل يكون مرجعاً عند الشك في التعارض والتزاحم. وكيف يمكن تأسيس الأصل للشك بينهما، مع عدم الجامع بينهما أصلاً، بأن يكونا داخلين في جامع فعلم بوجوده وشك في الخصوصية. وكان المحقق النائيني (قدس سره) يقول: إنّ القول بأنّ الأصل التعارض أو التزاحم أشبه شيء بأن يقال: إنّ الأصل في الأشياء الطهارة أو صحة بيع الفضولي(1).
ـــــــــــــــ

(1) أجود التقريرات 2: 32.




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net