معاني الهداية 

الكتاب : البيان في تفسـير القرآن - خطبـة الكتاب   ||   القسم : التفسير   ||   القرّاء : 5947


ــ[493]ــ


البحث الثالث

حول آيـة اهدنا
 

ــ[494]ــ

* الهداية بمعنى الاستمرار.
* الهداية بمعنى الثواب.
* الهداية بمعنى الاستزادة منها.

ــ[495]ــ

ذكر المفسرون: أن من يطلب الهداية من الله لابد وأن يكون فاقداً لها، فكيف يطلبها المسلم الموحد في صلاته، وأجابوا عنه بوجوه:
1 ـ أن يراد بالهداية: الاستمرار عليها، فبعد ما منّ الله تعالى على المصلي بهدايته إلى الإيمان يطلب منه الاستمرار والثبات على هذه النعمة لئلا تزل له قدم بعد ثبوتها.
2 ـ أن يراد بالهداية: الثواب فمعناه اهدنا طريق الجنة ثواباً لنا.
3 ـ أن يراد بالهداية: زيادتها فإن الهداية قابلة للزيادة والنقصان، فمن كان واجداً لمرتبة منها جاز أن يطلب مرتبة أكمل منها.
وكل هذه الوجوه استحسانية تخالف ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة والصحيح أن يقال: إن الهداية التي يطلبها المسلم في صلاته هي هداية غير حاصلة له، وإنما يطلب حصولها من ربه فضلاً منه ورحمة.
وتوضيح ذلك: إن الهداية من الله تعالى على قسمين: هداية عامة وهداية خاصة، والهداية العامة قد تكون تكوينية، وقد تكون تشريعية، أما الهداية العامة

ــ[496]ــ

التكوينية فهي التي أعدها الله تعالى في طبيعة كل موجود سواء أكان جماداً أم كان نباتاً أو حيواناً، فهي تسري بطبعها أو باختيارها نحو كمالها، والله هو الذي أودع فيها قوة الاستكمال، ألا ترى كيف يهتدي النبات إلى نموه، فيسير إلى جهة لا صادّ له عن سيره فيها، وكيف يهتدي الحيوان فيميز بين من يؤذيه ومن لا يؤذيه. فالفأرة تفرّ من الهرة، ولا تفرُّ من الشاة، وكيف يهتدي النمل والنحل إلى تشكيل جمعية وحكومة وبناء مساكن! وكيف يهتدي الطفل إلى ثدي أُمه، ويرتضع منه في بدء ولادته:
{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(20: 50).
وأما الهداية العامة التشريعية فهي الهداية التي بها هدى الله جميع البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، فقد أتمَّ الحجة على الإنسان بإفاضته عليه العقل وتمييز الحق من الباطل، ثم بإرساله رسلاً يتلون عليهم آياته، ويبينون لهم شَرائع أحكامه، وقرن رسالتهم بما يدل على صدقها من معجز باهر، وبرهان قاهر، فمن الناس من اهتدى، ومنهم من حق عليه الضلالة:
{إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}(76: 3).
وأما الهداية الخاصة، فهي هداية تكوينية، وعناية ربانية خصَّ الله بها بعض عباده حسب ما تقتضيه حكمته، فيهييء له ما به يهتدي إلى كماله ويصل إلى مقصوده، ولولا تسديده لوقع في الغي والضلالة، هذا وقد أُشير إلى هذا القسم من الهداية في غير واحد من الآيات المباركة، قال عزّ من قائل:
{فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ 7: 30. قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شآءَ لَهداكُمْ أَجْمعَينَ 6: 149. لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلْكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشآءُ 2: 272.

ــ[497]ــ

إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي القَومَ الظّالِمن 6: 144. والله يَهْدِي مَنْ يَشآءُ إِلى صراطٍ مسْتَقِيمٍ 2 : 213. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلْكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشآءُ 28: 56. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سبُلَنَا 29: 69. فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشآءُ وَهُوَ الْعَزِيز الْحكِيمُ 14: 4}.
إلى غير ذلك من الآيات التي يستفاد منها اختصاص هداية الله تعالى وعنايته الخاصة بطائفة خاصة دون بقية الناس، فالمسلم بعد ما اعترف بأن الله قد منّ عليه بهدايته هدايةً عامة تكوينية وتشريعية طلب من الله تعالى أن يهديه بهدايته الخاصة التكوينية التي يختص الله بها من يشاء من عباده.
وصفوة القول: أن البشر بطبعه في معرض الهلاك والطغيان فلا بد للمسلم الموحّد أن لا يتكل على نفسه بل يستعين بربه، ويدعوه لهدايته، ليسلك به الجادة الوسطى فلا يكون من المغضوب عليهم، ولا من الضالين.

ــ[498]ــ




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net