وجوب كون المسح باليد دون غيرها من الآلات 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 2926


ــ[135]ــ

   ويجب أن يكون المسح بباطن الكف((1)) والأحوط أن يكون باليمنى والأولى أن يكون بالأصابع(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ولا يمكن إجراء أحكام الجبائر في المقام ، لأن الاجتزاء بالمسح على الجبيرة في القروح والكسور أيضاً على خلاف القاعدة ، فان الاطلاقات المتقدمة يقتضي أن يكون الغسل أو المسح على البشرة مقوماً للوضوء ، لأنه غسلتان ومسحتان ، ومع عدم التمكن منهما يسقط التكليف بالوضوء وتنتهي النوبة إلى التيمم لا محالة .

   ولكن الدليل دلنا على أن المسح على الجبيرة في مواضع القروح والكسور كالمسح على نفس البشرة ، وأما في غير هذين الموضعين وغير الدواء والتقيّة فلم يدلنا على كفاية المسح على الحائل وكونه مجزئاً في الوضوء ، بل مقتضى الآية المباركة والأخبار ما تقدّم من سقوط التكليف بالوضوء ووجوب التيمم على المكلف .

    لا بدّ من أن يكون المسح بباطن الكف :

   (1) تعرّض الماتن (قدس سره) في هذه المسألة لعدة اُمور قد اندمج بعضها في بعض :

   فمنها : أنه هل لا بدّ أن يكون المسح باليد ، فلا يجزئ المسح بغيرها من الآلات والأسباب ، وإن كانت بلتها من البلل الموجودة في اليد ، كما إذا أخذ البلل من اليد بمثل الخرقة أو آلة اُخرى ومسح بها رأسه ورجليه أو لا ؟

   قد يقال بالانحصار في اليد ويستدل عليه بعدّة روايات منها : الأخبار البيانية وإليك بعضها :

   منها : رواية المعراج وهي صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث طويل «أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : لما اُسري بي إلى السماء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) على الأحوط .

ــ[136]ــ

أوحى الله إليَّ يا محمّد اُدن من صاد ـ إلى أن قال ـ ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك ...» (1) .

   ومنها : صحيحة زرارة قال : «حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله ـ  إلى أن قال  ـ ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء» (2) .

   ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «يأخذ أحدكم الراحة من الدهن ـ إلى أن قال ـ ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه» (3) وفي صحيحة الأخوين : «ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماءً» (4) ومنها : غير ذلك من الروايات ، فان الظاهر من تلك الروايات أن المسح لا بدّ من أن يكون بالبلة الباقية في يد المتوضئ بوصف أنه مما بقي في اليد ، وعليه لو أخذ البلل من اليد بآلة من الآلات كالخشبة والخرقة ونحوهما فمسح بها رأسه ورجليه لم يصدق أنه مسحهما بالبلة الباقية في اليد بوصف كونها باقياً في اليد .

   وإن شئت قلت : إن الأخبار المذكورة كما أنها بصدد بيان ما به المسح في الوضوء أعني البلّة الباقية في اليد كذلك وردت بصدد بيان الماسح أعني آلة المسح وأنه أيّ شيء ، وقد دلت على أنها منحصرة في اليد . مضافاً إلى قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة : «ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء» فانه كالصريح في لزوم أن يكون المسح بالبلة بواسطة اليد فلاحظ ، هذا .

   ولا يخفى عدم امكان المساعدة على ذلك والسرّ فيه : أن الأخبار الواردة في المقام التي منها الأخبار البيانية الحاكية عن وضوء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد دلّتنا على أن ما به المسح يعتبر أن يكون من البلّة الباقية في اليد من ماء الوضـوء بحيث لو يبست وجب أخذ البلّة من اللحية والحاجبين ، ولا يجوز أن يكون المسح بالماء الجديد ، وهي بصدد البيان من هذه الجهة ودلالتها على تعيين ما به المسح من بلّة اليد ممّا لا كلام فيه . وإنما الكلام في دلالتها على تعيين آلة المسح وبيان أنها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ، (2) الوسائل 1 : 390 / أبواب الوضوء ب 15 ح 5 ، 6 .

(3) ، (4) الوسائل 1 : 391 / أبواب الوضوء ب 15 ح 7 ، 11 .

ــ[137]ــ

منحصرة في خصوص اليد أعني ما دون الزند وعدمها ، والانصاف عدم دلالتها على ذلك بوجه ، لأن الروايات إنما دلت على لزوم كون المسح ببلّة اليد ، وأما أن الآلة أيضاً هي اليد أعني ما دون الزند بحيث لا يسوغ المسح بغيرها كالذراع ونحوه فلا دلالة لها عليه ، هذا .

   ولكن يمكن الاستدلال على تعيين الآلة فيما دون الزند وعدم جواز المسح بالذراع بوجوه :

   الأوّل : أنّ الظاهر من اليد عند إطلاقها ـ في مقابل الذراع ـ إنما هو ما دون الزند لا ما دون المرفق ، كما وردت لفظة اليد في الأخبار البيانية في مقابل الذراع واستظهر منها ذلك ، أعني إرادة ما دون الزند لا ما دون الذراع .

   الثاني : أنّ اليد وإن كانت قد تطلق على ما دون الزند وقد تطلق على ما دون المرفق ، كما يطلق ثالثة على ما دون الكتف ، إلاّ أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إرادة خصوص الأول ، لأنه المناسب للحكم المحمول عليها في المقام ، فان المسح بحسب الأغلب لا يكون إلاّ بالكف والأصابع ، فالمراد باليد إنما هو ما دون الزند كما  مر .

   نظير ما إذا قيل أكلت بيدي أو ضربت أو كتبت بيدي ، لأن الأكل والضرب والكتابة وأمثالها قرينة معينة لما اُريد من لفظة اليد ، لدلالتها على أن المراد بها هو ما دون الزند دون غيره من المحتملات ، لعدم مناسبتها مع الكتابة أو الأكل ونحوهما مما لا يتحقق إلاّ بالكف والأصابع أعني ما دون الزند ، ووقوعها بغير ذلك يحتاج إلى إعمال عناية زائدة كما لا تخلو عن مشقة .

   نعم ، لو قيل قطعت يد فلان مثلاً لم يكن له ظهور في إرادة ما دون الزند ، بل كان من المحتملات والمجملات ، لأن القطع كما يناسب الأصابع وما دون الزند كذلك يناسب ما دون المرفق وغيره من إطلاقات اليد ، وهذا بخلاف المقام فانه إذا ورد : إمسح بيدك أو قال : مسحت بيدي مثلاً ، فمناسبة الحكم والموضوع قرينة على إرادة ما دون الزند لما عرفت .

ــ[138]ــ

   الثالث : أنّ جملة من الأخبار البيانية وإن كان وردت فيها لفظة «اليد» إلاّ أن بعضها أعني صحيحة الأخوين قد اشتملت على كلمة «الكف» حيث قال (عليه السلام) «ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماءً» (1) وبما أن هذه الروايات تحكي عن فعل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو أمر واحد لا محالة، كانت كلمة «الكف» في هذه الصحيحة قرينة على ما اُريد باليد في بقية الروايات ، ودلتنا على أن المراد بها إنما هو الكف وما دون الزند دون غيره من احتمالاتها ، فهذه الوجوه والقرائن تعينان المراد من لفظة «اليد» الواقعة في الروايات ، وبما أن الرواة (قدس الله أسرارهم) قد اهتموا بنقل هذه الخصوصية ، فنستكشف منها أن لخصوصية كون المسح بواسطة اليد أعني ما دون الزند مدخلية في صحة الوضوء ، وأنها من الخصوصيات اللازمة في المأمور  به ، كما قد استفدنا من اهتمامهم بنقل عدم تجديد الماء لدى المسح وجوب كون المسح بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء .

   ويؤيِّد إرادة الكف من اليد رواية العلل قال : «جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسألوه عن مسائل وكان فيما سألوه : أخبرنا يا محمّد لأي علة توضأ هذه الجوارح الأربع ، وهي أنظف المواضع في الجسد ؟ فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما أن وسوس الشيطان إلى آدم (عليه السلام) دنا من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه ، ثم قام ومشى إليها ، وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة ، ثم تناول بيده منها ما عليها وأكل ، فتطاير الحلي والحلل عن جسده فوضع آدم يده على اُم رأسه وبكى ، فلما تاب الله عليه فرض الله عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع ، فأمره الله عزّ وجلّ بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة ، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما ، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على اُم رأسه ، وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة» (2) وهي صريحة الدلالة على إرادة الكف من اليد .

   وأمّا الآية المباركة والأخبار المطلقة ، أعني ما اشتملت على أنه (صلّى الله عليه وآله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 392 / أبواب الوضوء ب 15 ح 11 .

(2) الوسائل 1 : 395 / أبواب الوضوء ب 15 ح 16 .

ــ[139]ــ

وسلّم) مسح رأسه ورجليه ، أو تضمنت الأمر بمسح الرأس والرجلين من دون التقييد بكون المسح بواسطة اليد فحسب ، ففيها احتمالات ثلاثة :

   الأوّل : أن يقال : إن المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية ، وإنما وردت لبيان أن المسح معتبر في الوضوء ، كما أن الغسل مما لا بدّ منه ، فان الوضوء غسلتان ومسحتان ، فلا دلالة لها على اعتبار غير ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء .

   وهذا الاحتمال وإن كان بالاضافة إلى الآية المباركة من الامكان بمكان ، إلاّ أنه بالاضافة إلى بعض الروايات المطلقة التي تضمنت لاعتبار بعض الخصوصيات المعتبرة في الوضوء مما لا مجال له ، لأنها بصدد بيان ما يعتبر في صحة الوضوء ، وحيث لم يقيد المسح بأن يكون بواسطة اليد فلا مانع من التمسك باطلاقاتها .

   الثاني : أن يقال : إن المطلقات منصرفة إلى ما هو المتعارف في الخارج من المسح ولا تردد في أن المسح بحسب المتعارف الشائع لا يكون إلاّ باليد وما دون الزند ، إذن يتعيّن أن يراد بالمطلقات خصوص المسح بواسطة اليد .

   ويدفعه : ما مرّ غير مرة من أن المطلق لا تنصرف إلى الفرد الغالب أبداً . نعم ربما يحدث انصراف بدوي إلى الغالب ولكنه يزول بأدنى التأمّل والالتفات .

   وما عن شيخنا الأنصاري (قدس سره) من انتقاض ذلك بالغسل ، بدعوى أن الغسل كالمسح إنما يتحقّق في الخارج بآلة لا محالة ، فكما أن الأمر بغسل الوجه واليدين ليست فيه أية دلالة على تعيين آلة الغسل ، فليكن الأمر بالمسح أيضاً كذلك وإلاّ فلا مناص من الالتزام بدلالة الأمر بالغسل أيضاً على تعيين آلة الغسل (1) ، كما ترى مما لا يمكن المساعدة عليه ، والوجه في ذلك أن آلة المسح مما يتقوم به المسح بحيث لا يتحقق بدونها ، وهذا بخلاف الغسل لوضوح أن الغسل قد يحصل بإيقاف الوجه مثلاً تحت المطر وباجراء الماء عليه ، وأما المسح فلا يوجد إلاّ بآلة وهو ظاهر .

   إذن فلا مانع من أن يكون الأمر بالمسح دالاًّ على تعيين آلة المسح دون الغسل .

   الثالث : أن يقال : إن المطلقات المذكورة لا بدّ من تقييدها بالأخبار المتقدمة التي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب الطهارة : 119 السطر 8 .

ــ[140]ــ

دلّتنا ببركة القرائن على أن المسح لا بدّ من أن يكون باليد وما دون الزند، وهذا الوجه هو المتعيّن في المقام ، وذلك للقطع بعدم إرادة الاطلاق لا في الآية المباركة ولا في الأخبار ، بحيث يشمل المسح بكل شيء ولو بالأجسام الخارجية من الخرقة والخشبة ونحوهما ، وحيث إن الوجهين الأولين غير ثابتين كما عرفت فيكون الوجه الأخير هو المتعيّن في محل الكلام .

   هذا كله فيما إذا لم نقل بأن الأخبار البيانية الحاكية لفعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حكاية فعل ولا دلالة لها إلاّ على الجواز أو الاستحباب ، من غير أن تكون لها أية دلالة على الوجوب ، وأما إذا قلنا بذلك فلا يبقى لها دلالة على الوجوب بالاطلاق حتى نحتاج إلى تقييده وحملها على أحد المحامل المتقدمة.

   فتحصل : أنّ مقتضى الأخبار البيانية ـ على تقدير أن يكون لها الدلالة على الوجوب ـ أن يكون المسح بما دون الزند ، وأنه المراد من سائر المطلقات والآية المباركة ، هذا على أن المسألة اتفاقية كما حكاه صاحب الحدائق عن جملة من أصحابنا (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحدائق 2 : 287 .

 




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net