لزوم تقديم مسح الرجل اليمنى على اليسرى خلافاً للأكثر 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3583


ــ[163]ــ

والأحوط الأوّل كما أن الأحوط ((1)) تقديم الرِّجل اليمنى على اليسرى وإن كان الأقوى جواز مسحهما معاً .  نعم لا يقدِّم اليسرى على اليمنى (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شيء ؟ فهل مقتضى القاعدة عدم جواز المسح إلاّ من طرف الأصابع إلى الكعبين ، وقد خرجنا عن مقتضى القاعدة والاطلاقات في خصوص المسح نكساً بدلالة صحيحة حماد المتقدمة ، فتبقى بقية الكيفيات تحت القاعدة وإطلاقات المنع ، أو أن القاعدة والاطلاقات لا يقتضيان عدم جواز المسح بسائر الكيفيات ؟

   الثاني هو الصحيح ، وذلك لأن الآية المباركة والأخبار الواردة في الوضوءات البيانية لا تعرض في شيء منهما على الكيفية المعتبرة في المسح المأمور  به ، وقد أسلفنا أن التحديد في الآية المباركة وفي بعض الأخبار البيانية بقوله «إلى الكعبين» إنما يرجع إلى الممسوح دون المسح .

   وصحيحة البزنطي المتقدمة أيضاً كذلك ، لأنها بصدد بيان المقدار المعتبر بحسب الكم ، ومن هنا سأله الراوي عن جواز المسح باصبعين ، وليس لها نظر إلى بيان الكيفية المعتبرة في المسح ، فعلى ذلك مقتضى إطلاق قوله عزّ من قائل (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ) (2) وإطلاق الأخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين كما في الأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، جواز المسح كيف ما اتفق ، فلا مانع من مسح مقدار من الرجل مقبلاً ومقدار آخر مدبراً ، والمسح من اليمين إلى الشمال أو بالعكس أو المسح مؤرباً .

    تقديم الرجل اليمنى على اليسرى :

   (1) ذهب جمع كثير من الأصحاب (قدس الله أسرارهم) إلى عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين ، وأن للمتوضئ أن يمسحهما معاً ، كما له أن يمسح على اليسرى مقدماً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا الاحتياط لا يترك .

(2) المائدة 5 : 6 .

ــ[164]ــ

على مسح اليمنى وبالعكس . وذهب جماعة آخرون من قدماء أصحابنا ومتأخريهم (قدس سرهم) إلى اعتبار الترتيب بينهما ، وأنه لا بدّ من تقديم مسح اليمنى على اليسرى ، بل ادعي على ذلك الاجماع في بعض الكلمات ، وهذا القول وإن ذهب إليه جمع كثير إلاّ أن القائل بالقول الأول أكثر فهو الأشهر وذاك مشهور .

   والتزم جماعة قليلون بالتخيير بين مسح الرجلين معاً ومسح إحداهما قبل الاُخرى إلاّ أنه على تقدير عدم مسحهما معاً يقدم اليمنى على اليسرى كما اختاره الماتن (قدس سره) هذه هي أقوال المسألة ومنشأ الخلاف هو اختلاف الأنظار فيما يستفاد من الروايات .

   ويدل على القول الأشهر إطلاق الآية المباركة والأخبار الواردة في الوضوءات البيانية ، حيث اشتملت على الأمر بمسح الرجلين من دون أن يتعرض إلى اعتبار الترتيب بينهما ، بل وسكوته (عليه السلام) عن بيان ذلك مع كونه بصدد البيان وناظراً إلى اعتبار الترتيب بين أفعال الوضوء ، حيث قال (عليه السلام) «ابدأ بما بدأ الله به فاغسل وجهك أوّلاً ، ثم اغسل اليدين ، ثم امسح على رأسك ورجليك» (1) ولكنه سكت عن بيان اعتبار الترتيب في مسح الرجلين .

   وبازاء ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال : «إمسح على القدمين وابدأ بالشق الأيمن» (2) مؤيدة ببعض الأخبار الضعاف كرواية أبي هريرة وغيرها(3) كما ورد في قباله أيضاً التوقيع المروي عن الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) «أنه كتب إليه يسأله عن المسح على الرجلين بأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعاً معاً  ؟ فأجاب (عليه السلام) يمسح

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا مضمون صحيحة زرارة المروية في الوسائل 1 : 448 / أبواب الوضوء ب 34 ح 1 ، وقد صرح بجملة «ابدأ بما بدأ الله» في ذيل هذه الصحيحة وصحيحة زرارة الاُخرى المروية في الوسائل 1 : 450 / أبواب الوضوء ب 35 ح 1 .

(2) ، (3) الوسائل 1 : 449 / أبواب الوضوء ب 34 ح 2 ، 3 .

ــ[165]ــ

عليهما جميعاً معاً ، فان بدأ باحداهما قبل الاُخرى فلا يبدأ إلاّ باليمين» (1) إذا عرفت ذلك فليتكلم في جهتين :

   الجهة الاُولى : في أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة هل تصلح أن يقيد بها الاطلاقات المتقدمة الدالّة على عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين ، أو أنها غير صالحة لذلك ، فعلى تقدير كونها صالحة للتقييد بها يسقط بذلك القول الأشهر لا  محالة . ثم بعد ذلك نتكلم في الجهة الثانية ، في أن خبر الاحتجاج هل يرفع به اليد عن إطلاق صحيحة محمد بن مسلم فنقيدها ـ لأجله ـ بما إذا لم يمسحهما جميعاً ، أو أنه غير صالح لذلك ؟ فعلى الأول يثبت به ما ذهب إليه الماتن (قدس الله سره) كما أنه على الثاني يثبت به قول المشهور في المسألة ، فتجب مراعاة الترتيب في مسح الرجلين بتقديم مسح اليمنى على اليسرى .

   أمّا الجهة الاُولى : فقد ذكر المحقق الهمداني (قدس سره) أن الصحيحة ومؤيداتها لا تصلح أن تكون مقيدة لتلك المطلقات الكثيرة الواردة في محل الحاجة ، وأن رفع اليد عن إطلاق الآية والروايات بالتزام إهمالهما أو احتفائهما بقرائن حالية أو مقالية ، أو بالتزام كونها مسوقة لبيان الحكم الظاهري دون التكليف الواقعي ، أو غير ذلك مما يصحح به تأخير ذكر القيد عن وقت الحاجة في مثل هذا الحكم العام البلوى ، ليس بأهون من حمل الأمر في هذه الصحيحة ومؤيداتها على الاستحباب (2) .

   ولكن الظاهر أن الأمر ليس كما اُفيد ، لأنه لا محذور في تقديم الصحيحة على كل من إطلاقي الآية والروايات ، أما إطلاق الآية المباركة فلأنه ما من إطلاق كتابي إلاّ وهو مقيد بشيء ، حيث إنه سبحانه لم يتعرّض للخصوصيات المعتبرة في كل عبادة أو معاملة ، بل إنما أوكل بيانها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأوصيائه (عليهم السلام) فلا مانع من رفع اليد عن إطلاق الآية المباركة بتلك الصحيحة أبداً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 450 / أبواب الوضوء ب 34 ح 5 ، الاحتجاج : 492 .

(2) مصباح الفقيه (الطهارة) : 162 السطر 16 .

ــ[166]ــ

   وأمّا إطلاقات الأخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس والرجلين فهي كاطلاق الآية المباركة ، وقد عرفت أنه لم ترد لبيان الكيفيات المعتبرة في المسح ، فلا محذور في تقديم الصحيحة عليها .

   والعمدة في المقام هي الروايات المتكفلة لبيان الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء لأنها مع كونها في مقام البيان لم يتعرض للترتيب المعتبر في مسح الرجلين ، بل إنما أمرت بالبدء بما بدأ الله به من غسل الوجه أوّلاً ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس والرجلين .

   ويمكن الجواب عن ذلك بأن عدم تعرض الرواة لكيفية مسح الامام (عليه السلام) مع أنه قد مسحهما بكيفية من الكيفيات لا محالة ، لاستحالة تحقق المسح المطلق خارجاً ، إنما هو من جهة عدم كون مسحه (عليه السلام) مغايراً عن الطريقة المتعارفة المرسومة عند الناس ، أعني مسح اليمنى قبل مسح اليسرى ، فلعله لأجل كونه على الوجه المتعارف لم يتعرضوا لنقل كيفيته ، فلو كان (عليه السلام) قد مسحهما على النحو غير المتعارف كمسحهما معاً مثلاً ، أو بتقديم اليسرى على اليمنى لنقلوها لا  محالة . فلو ادّعى مدّع القطع بأن الترتيب المعتبر لو كان على غير الطريقة المتعارفة لنقله الرواة لا محالة ، لم يكن دعواه دعوى بعيدة ، وعليه فاطلاق هذه الروايات وسكوتها عن التعرض للترتيب ـ وهي في مقام البيان ـ  دليل على ما أشرنا إليه من اعتبار الترتيب المتعارف في مسح الرجلين ، ومع الاغماض عن ذلك فالقدر المتيقن أنها غير متكفلة إلاّ للترتيب الوارد في الكتاب ، وليست بصدد بيان غيره من الكيفيات المعتبرة في الوضوء . ومن هنا لم يتعرّض في جملة من الروايات لبيان الترتيب المعتبر في غسل اليدين ، مع أن الترتيب بينهما مما لا كلام في اعتباره .

   فالمتحصل أنه لا مانع من تقييد الاطلاقات المذكورة بالصحيحة المتقدمة ، وبذلك يظهر ضعف القول الأشهر وسقوطه عن الاعتبار .

ــ[167]ــ

والأحوط ((1)) أن يكون مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى (1) وإن كان لا يبعد جواز مسح كليهما بكل منهما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وأمّا الجهة الثانية : وأن خبر الاحتجاج هل يصلح أن يقيد به صحيحة محمد بن مسلم أو أنه غير صالح لذلك ، فيبتني ذلك على أن طريق الطبرسي إلى الحميري طريق معتبر كما التزم به بعضهم ، أو أنه مما لم يثبت اعتباره ؟ وقد ناقشنا فيه سابقاً وقلنا إن طريقه لم يعلم اعتباره ، فعلى الأول لا مناص من تقييد الصحيحة بذلك ، ولا يضره عدم عمل المشهور على طبقه ، لاحتمال أن يكون الوجه في ذلك عدم عثورهم عليه لعدم نقله في الجوامع المعتبرة كالتهذيب والكافي والفقيه ، وبه يثبت ما ذكره الماتن (قدس سره) من أن المكلف مخيّر بين مسح الرجلين معاً ومسح إحداهما قبل الاُخرى ، إلاّ أنه إذا مسح إحداهما دون الاُخرى لا بدّ من أن يقدّم مسح اليمنى على اليسرى .

   وأما على الثاني كما هو الصحيح ، فالخبر ضعيف وبه تبقى الصحيحة خالية عن المعارض ، فالأخذ بها والحكم بثبوت الترتيب بين مسح الرجلين لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنه أحوط .

    ما هو الأحوط في المقام :

   (1) بل هذا هو المتعيّن ، وذلك لأن الدليل على جواز المسح في كل من الرجلين بكل من اليدين كمسح اليسرى باليمنى وبالعكس أو مسح كليهما باليمنى أو كلتيهما باليسرى ، إنما هو الاطلاق في الكتاب العزيز والأخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس والرجلين من غير تعيين آلة المسح ، ولكنّا قيدنا إطلاقهما من هذه الجهة بما تقدم من الروايات الواردة في لزوم أن يكون المسح باليد ، وأما إطلاقهما من حيث كونه باليد اليمنى أو اليسرى فهو باق بحاله ، ومقتضاه جواز المسح في كل من الرجلين بكل واحدة من اليدين .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا يترك هذا الاحتياط .

ــ[168]ــ

   وكذا يدل عليه سكوتهم (عليهم السلام) في مقام البيان كما في الأخبار المتعرضة لاعتبار بعض الخصوصيات في الوضوء ، حيث لم يتعرض لاعتبار مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ، فلو كان ذلك أيضاً معتبراً في المسح والوضوء لبيّنه الامام (عليه السلام) كغيره ، لأنه كان في مقام البيان .

   نعم ، ورد في صحيحة زرارة «وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى ، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى» (1) وهي وإن كانت واضحة الدلالة على التعيين ، إلاّ أن الماتن (قدس سره) حملها على الاستحباب وبيان أفضل الافراد ، تقديماً لاطلاق الكتاب والأخبار الكثيرة المتقدمة وسكوت بعضها عن اعتبار ذلك وهي في مقام البيان .

   ويردّه : ما أشرنا إليه في المسألة المتقدمة ، من أنه ليس هناك أي مانع من تقييد الاطلاقات المذكورة بالرواية المعتبرة ، لأن المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية ، وحيث إن الصحيحة ظاهرة في التعيين ووجوب مسح اليمنى باليد اليمنى واليسرى باليد اليسرى ، لأن قوله (عليه السلام) «وتمسح» جملة فعلية ظاهرة في الوجوب ، لكونها في مقام الانشاء وقد تقدم أنها جملة مستقلة وغير معطوفة على فاعل «يجزئك» المتقدم في صدر الصحيحة ، فلا مانع من تقديمها على إطلاقات الكتاب والسنّة بوجه .

   وأمّا الأخبار الساكتة عن بيان ذلك وهي في مقام البيان ، فالتحقيق ـ  كما قدمناه  ـ أن عدم تعرّض الرواة لنقل هذه الخصوصية من جهة أن مسحهم (عليهم السلام) كان على النحو المتعارف عندنا ، أعني مسح اليمنى باليد اليمنى واليسرى باليد اليسرى ، وإلاّ فلو كان مسحهم (عليهم السلام) على غير الطريقة المتعارفة ، بأن كان كالأكل من القفا أعني مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، لوجب على الرواة نقل تلك الخصوصية لا محالة ، لأنها خصوصية زائدة يجب نقلها في مقام الحكاية والاخبار . إذن لا تبقى دلالة في ذلك على كفاية المسح مطلقاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 1 : 387 / أبواب الوضوء ب 15 ح 2 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net