مسائل 

الكتاب : فقه الشيعة - كتاب الطهارة ج‌4   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 6796

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 201‌

[ (مسألة 1) ناسي الحكم تكليفا أو وضعا كجاهله]

(مسألة 1) ناسي الحكم تكليفا أو وضعا كجاهله في وجوب الإعادة و القضاء (2).

______________________________
و صحيحة ابن سنان المتقدمة
«1» الواردة في الدم لقوله عليه السّلام فيها: «و إن كنت رأيته قبل أن تصلّي فلم تغسله ثمّ رأيته بعد و أنت في صلاتك فانصرف فاغسله و أعد صلاتك».

بل يمكن استفادة ذلك من فحوى الأخبار المتقدمة «2» الدالّة على وجوب الاستيناف عند الجهل بالنجاسة السابقة لو علم بها في الأثناء، فإنّ النسيان هو الجهل بعينه مع زيادة سبق العلم، فالبطلان مع النسيان أولى منه مع الجهل، بل يمكن استفادة ذلك من نفس الأخبار المتقدمة «3» الدالّة على وجوب الإعادة على ناسي النجاسة لو تذكّر بعد الفراغ، لدلالتها على أنّ نسيان النجاسة لا يوجب ارتفاع الحكم الوضعي، أي شرطية الطهارة للصلاة، و لا سيما بلحاظ التعليل الوارد في بعضها بأنّ وجوب الإعادة يكون عقوبة لنسيانه، و هذا لا يفرق فيه بين التذكر بعد الفراغ أو في الأثناء.

 (2) ناسي حكم النجاسة و حاصل ما تقدم: أن الخلل في الصلاة من حيث النجاسة إما أن يكون عن جهل أو نسيان، و كل منهما: إما أن يتعلق بالحكم أو بالموضوع.

______________________________
(1) في الصفحة: 172.

(2) في الصفحة: 167- 169.

(3) في الصفحة: 186.

(4) في الصفحة: 186.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 202‌

..........

______________________________
أما الجاهل بالحكم فقد عرفت في أول الفصل: أنّه إذا كان قاصرا في جهله تصح صلاته، لحديث لا تعاد. و أما إذا كان مقصرا فلا يشمله الحديث المذكور، و مقتضي إطلاق أدلّة الاشتراط بطلان صلاته.

و أما الجاهل بالموضوع، فإن استمر جهله إلى ما بعد الفراغ صحت صلاته للحديث المذكور، و للأخبار الخاصة كما تقدم «1» و أما لو التفت في الأثناء فيأتي فيه الصور الثلاث المتقدمة «2» فإن كانت النجاسة سابقة على الصلاة بطلت للنصوص الخاصة، و إن عرضت حال الالتفات أو بعد الدخول في الصلاة صحت و تجب الإزالة في الأثناء إن أمكن.

و أما ناسي الموضوع فمقتضى حديث لا تعاد و إن كان صحة صلاته، إلّا أنّ النصوص الخاصة «3» قد دلت على البطلان فتجب الإعادة أو القضاء.

و أما ناسي الحكم تكليفا أو وضعا- كما هو مفروض هذه المسألة، كما إذا نسي نجاسة بول الخفاش، مثلا. أو اشتراط الصلاة بالطهارة- فهو كالجاهل بالحكم موضوعا و حكما أما موضوعا فظاهر، لأنّ الناسي هو الجاهل بعينه، لعدم انكشاف الواقع لديه حال النسيان و لا واسطة بين العالم و الجاهل و سبق العلم في زمان لا يوجب صدق العالم عليه حال النسيان. و أما حكما فلما عرفت من صحة شمول «حديث لا تعاد» للجاهل المعذور غير الناسي، فضلا عن الناسي الّذي قيل «4» باختصاص الحديث به كما سبق «5» نعم لا يشمل الناسي غير المعذور كالجاهل كذلك، على ما‌

______________________________
(1) في الصفحة: 149- 150.

(2) في الصفحة: 163.

(3) المتقدمة في الصفحة: 186.

(4) كالمحقق النائيني «قده».

(5) في الصفحة: 141- 142.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 203‌

[ (مسألة 2) لو غسل ثوبه النجس و علم بطهارته ثم صلّى فيه]

(مسألة 2) لو غسل ثوبه النجس و علم بطهارته ثم صلّى فيه، و بعد ذلك تبين له بقاء النجاسة، فالظاهر أنّه من باب الجهل بالموضوع (1) فلا يجب عليه الإعادة أو القضاء.

______________________________
عرفت في أوّل الفصل.

هذا مضافا إلى إمكان دعوى استفادة الصحة من التعليل الوارد في صحيحة زرارة «1» لصحة صلاة الجاهل المستمر جهله إلى ما بعد الفراغ بالاستصحاب، فإنّ التعليل بذلك مشعر أو دال على أنّ مطلق العذر كاف في الصحة، و لو كان مثل النسيان، إذ لا خصوصيّة للاستصحاب، فلاحظ.

(1) ذكر «قده» في هذه المسألة فروعا أراد التنبيه على أنّها من مصاديق الجاهل بالنجاسة دون الناسي، فلا تجب الإعادة أو القضاء في شي‌ء منها.

الأوّل: ما لو غسل ثوبه النجس فاعتقد طهارته فصلّى فيه ثمّ تبيّن له بعد ذلك بقاء نجاسته فهل يلحق بناسي النجاسة، بلحاظ تحقق علمه بها و اعتقاده عدمها حال الصلاة، فيكون كالناسي في سبق علمه بها ثمّ غفلته عنها، أو يلحق بالجاهل، لعدم علمه حال الصلاة، و إن سبقه العلم بها؟

الظاهر هو الثاني، كما أفاد في المتن، و ذلك لعدم صدق الناسي على مثله جزما، فيبقى تحت إطلاق ما دل على عدم وجوب الإعادة على الجاهل بالنجاسة حال الصلاة.

توضيح ذلك: هو أنّ المستفاد من الروايات «2» الواردة في جاهل النجاسة كصحيحة زرارة المتقدمة «3» المتضمنة لقوله: «قلت فإن ظننت أنّه‌

______________________________
(1) المتقدمة في الصفحة: 156.

(2) المتقدمة في الصفحة: 149- 150.

(3) في الصفحة: 156.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 204‌

..........

______________________________
قد أصابه، و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا، ثم صلّيت فرأيت؟ قال:

تغسله و لا تعيد الصلاة.» هو أنّ العبرة في عدم وجوب الإعادة بعدم تنجز النجاسة حال الصلاة، و لو بعدم رؤيتها بعد الفحص جريا على استصحاب لطهارة و ك‍:

رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه، و هو لا يعلم فلا إعادة عليه، و إنّ هو علم قبل أن يصلّي فنسي، و صلّى فيه فعليه الإعادة» «1».

لدلالته على أنّ مجرد عدم العلم بالنجاسة حال الصلاة- كما هو مفاد الجملة الحالية- مناط لعدم الوجوب و مقتضى إطلاق هذه الروايات عدم الفرق بين سبق العلم بها قبل الصلاة و عدمه، ما لم يتنجز حالها بالاستصحاب و نحوه، للعلم بارتفاعها أو عدم العلم بحدوثها، فعدم تنجز النجاسة- حال الصلاة- كاف في الصحة، و هذا الإطلاق و إن كان يعم الناسي لما ذكرنا- في ذيل المسألة السابقة- من أنّ الناسي من مصاديق الجاهل، لعدم انكشاف الواقع لديه حال النسيان فهو جاهل حقيقة، إذ لا واسطة بين الجاهل و العالم، إلّا أنّه خرجنا عن إطلاق هذه الروايات بالنص «2» الخاص الدال على وجوب الإعادة عليه عقوبة لنسيانه.

هذا مضافا إلى ورود النص الخاص في المقام، و هي:

حسنة ميسر قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني، فلا تبالغ في غسله، فأصلّي فيه فإذا هو يابس. قال عليه السّلام: أعد صلاتك.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 1059 في الباب: 40 من أبواب النجاسات الحديث: 7.

(2) تقدم في الصفحة: 186.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 205‌

..........

______________________________
أما إنّك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شي‌ء»
«1».

فإن قوله عليه السّلام:- في ذيلها- «أما إنّك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شي‌ء» صريح في أنّه لو كان هو المتصدي لغسل ثوبه لم يكن عليه الإعادة، لأنّه كان يبالغ في غسله فكان يحصل له العلم بزوالها حينئذ لا محالة، فلا يجب عليه الإعادة و لو انكشف له الخلاف بعد ذلك «2».

ثمّ إنّ الأمر بالإعادة في صدر الحسنة- عند ما علم ببقاء النجاسة بعد غسل الجارية الثوب- ينافي أصالة الصحة في فعل الغير، المقتضية لتحقق الطهارة الظاهرية، الّتي تكفي هي في صحة الصلاة، لأنّ الشرط فيها هو الأعم من الطهارة الظاهرية، كما مر غير مرة. كما أنّه ينافي- أيضا- إطلاق ما دل على عدم وجوب الإعادة على الجاهل. فلا بد من حمله على الاستحباب، أو الالتزام بتخصيص أصالة الصحة في خصوص المقام بقاء لا حدوثا، و إلّا لم يجز له الشروع في الصلاة أيضا، لأنّ مقتضى الاستصحاب تنجز النجاسة. فيلتزم بجريان أصالة الصحة في فعل الغير بالنسبة إلى الصلاة الواقعة في النجس ما لم ينكشف الخلاف، فيجوز الدخول في الصلاة اعتمادا عليها. و أما إذا انكشف تجب الإعادة، كما دلت عليه الحسنة فتكون رادعة عن العمل بأصالة الصحة بقاء دون ما إذا علم بالطهارة، كما هو مفروض الفرع. هذا تمام الكلام في الفرع الأوّل المذكور في هذه المسألة. و يأتي الكلام‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1024 في الباب: 18 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) هذا إنّما يتم لو جعل تصدي الغسل بنفسه طريقا إلى العلم بالزوال، بحيث تكون العبرة في عدم الإعادة به لا بزوال النجاسة واقعا. و لكن لا يبعد دعوى ظهور الرواية في الثاني، لأنّ المستفاد منها: أنّ الجارية حيث أنّها لم تبالغ في الغسل فلذلك بقيت النجاسة بحالها. و هذا بخلاف ما لو كان هو الغاسل للثوب، فإنّه كان يزيل النجاسة لاعتنائه بغسل ثوبه، فعدم وجوب الإعادة إنّما يكون لطهارة الثوب واقعا لا للاعتقاد بطهارته و عليه تكون الرواية أجنبية عن المقام. فلاحظ.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 206‌

و كذا لو شك في نجاسته ثم تبين بعد الصلاة أنّه كان نجسا (1).

و كذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته، أو شهدت البينة بتطهيره ثم تبين الخلاف (2).

______________________________
في باقي الفروع المشار إليها فيها.

(1) هذا ثاني الفروع المذكورة في هذه المسألة. و حكمه واضح، لأنّ الشاك في النجاسة- من دون منجز لها بالاستصحاب و نحوه- من مصاديق من لا يعلم بها الذي هو موضوع الحكم بعدم الإعادة في النصوص، فإنّ عدم العلم أعم من الشك و القطع بالخلاف. بل مورد صحيحة زرارة المتقدمة «1» هو الشاك في النجاسة، فيكون هذا الفرع موردا لها بالخصوص.

قال فيها: «فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر فيه شيئا، ثمّ صلّيت فرأيت فيه. قال: تغسله و لا تعيد الصلاة».

و أما الكلام فيها بلحاظ دلالتها على لزوم الفحص و عدمه فقد تقدم «2».

(2) هذا ثالث الفروع المذكورة في هذه المسألة. فنقول: أما عدم وجوب الإعادة في فرض شهادة البيّنة بالتطهير فلا إشكال فيه، لأنّها حجة معتبرة على زوال النجاسة المعلومة، و بها تسقط النجاسة عن التنجيز، لعدم جريان الاستصحاب مع قيام الأمارة المعتبرة على خلافه. فيكون المورد من مصاديق الجهل بالنجاسة الّذي لا تجب فيه الإعادة أو القضاء.

و أما عدم وجوبها في فرض إخبار الوكيل بالتطهير فلا يصح على إطلاقه، لعدم ثبوت الدليل على صحة الوكالة الشرعيّة- الّتي هي من العقود-

______________________________
(1) في الصفحة: 156.

(2) في الصفحة: 157- 158.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 207‌

و كذا لو وقعت قطرة بول أو دم- مثلا- و شك في أنّها وقعت على ثوبه أو على الأرض ثم تبين أنّها وقعت على ثوبه (1).

______________________________
إلّا في الأمور الاعتبارية، كالعقود و الإيقاعات. فيكون إخبار الوكيل بوقوع البيع و نحوه معتبرا بما هو وكيل.

و أما الأمور التكوينيّة- كالأكل و الغسل و الكنس و نحو ذلك- فلا تدخلها الوكالة الشرعيّة كي يكون إخبار الوكيل بوقوعها بما هو وكيل حجة معتبرة. نعم لا نضايق في إطلاق الوكالة- عرفا أو لغة- فيها، فيكون المراد منها إيكال الأمر و تفويضه إلى الغير كما هو المراد في مثل قولنا: «توكلنا على اللّه» أو قولنا: «أوكلت أمر بناء الدار- مثلا- إلى فلان» و نحو ذلك.

إلّا أنّ ذلك لا يجدي في ترتب الآثار الشرعية الّتي منها حجية إخبار الوكيل بوقوع مورد الوكالة. و عليه لا يكون إخبار الوكيل بتطهير الثوب حجة. إلّا أن يكون ثقة، بناء على القول بحجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية. إلّا أنّ النسبة بينه و بين خبر الوكيل العموم من وجه، لعدم اختصاص خبر الثقة بالوكيل، و كذلك العكس. أو يعلم بوقوع الغسل منه فيحمل فعله على الصحة، فيجوز معه الدخول في الصلاة.

و أما لو انكشف الخلاف فتجب الإعادة، لحسنة ميسر المتقدمة، الرّادعة عن العمل بها في خصوص المقام بقاء، كما عرفت و أما حجية إخبار الوكيل في التطهير من باب إخبار ذي اليد فممنوعة أيضا، لعدم الملازمة بين التوكيل و كون الثوب في يده. هذا مضافا إلى عدم الدليل على حجية إخبار ذي اليد ما لم يكن مستوليا على الشي‌ء استيلاء تاما، إذ عمدة دليله السيرة، و هي لم تثبت في مثل المقام، ككون الثوب في يده لمجرد الغسل.

(1) هذا رابع الفروع المذكورة في هذه المسألة، و هو ما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة بول أو دم- مثلا- على ثوبه أو على الأرض، فصلّى فيه،

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 208‌

و كذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دما، و قطع بأنّه دم البق أو دم القروح المعفو، أو أنّه أقل من الدرهم، أو نحو ذلك، ثم تبين أنّه مما لا يجوز الصلاة

______________________________
ثم تبين أنّها إنّما وقعت علي الثوب. و ذلك لعدم تنجز العلم الإجمالي حينئذ، لخروج الأرض عن محل ابتلائه، فلا تكون النجاسة المعلومة بالإجمال منجزة كي تمنع عن الصحة.

و قد ذكرنا في أوّل المسألة: أنّ المستفاد من روايات المقام أنّ المانع عن الصلاة هو تنجز النجاسة حالها، فما لم تتنجز حال الصلاة لا تمنع عن الصحة بوجودها الواقعي، و إن علم بها إجمالا من غير تنجز. و لعلّ أصرح ما يدل على ذلك من روايات الباب هو تعليل عدم وجوب الإعادة في صحيحة زرارة باستصحاب الطهارة- الذي هو عذر من الأعذار الشرعية حال الصلاة و إن علم بالنجاسة بعد الفراغ- حيث قال عليه السّلام: «تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت: لم ذاك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا» «1».

فإنّ المستفاد من التعليل المذكور هو أنّ العبرة في الصحة بمطلق العذر حال الصلاة سواء الاستصحاب أم غيره.

نعم خرجنا عن هذا الإطلاق في خصوص الناسي للنص الخاص فيه، فيبقى الباقي تحت الإطلاق و يترتب على هذه الكبرى الكليّة صحة الفروع المتقدمة و الآتية- الّتي ذكرت في هذه المسألة- و من جملتها هذا الفرع- أعني صورة العلم الإجمالي بوقوع النجس على الثوب أو الأرض- إذ لا تتنجز النجاسة مع فرض خروج الأرض عن محل الابتلاء. فمجرد العلم بالنجاسة لا يمنع عن الصحة ما لم تتنجز نعم لو فرض تحقق الابتلاء حتّى في الأرض‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1061 في الباب: 41 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 209‌

فيه (1). و كذا لو شكّ في شي‌ء من ذلك ثم تبين أنّه مما لا يجوز (2) فجميع

______________________________
خرج الفرع المذكور عن صورة العذر. إلّا أنّه خلاف مفروض المتن، كما لا يخفى.

(1) هذا خامس الفروع المذكورة في هذه المسألة. و الوجه فيه ظاهر، لأنّ القطع بالخلاف عذر فلا تتنجز النجاسة الواقعيّة حال الصلاة لذلك. نظير الفرع الأوّل حيث اعتقد بطهارة الثوب بالغسل ثمّ تبين بقاء نجاسته. و قد عرفت أنّ المانع عن الصحة إنّما هي النجاسة المنجزة لا الواقعيّة.

(2) هذا سادس الفروع المشار إليها في هذه المسألة. و قد ظهر وجه الصحة فيه مما تقدم، لعدم تنجز النجاسة الممنوعة فيه، كالفروع المتقدمة. إذ لو شك في أنّ الدم الواقع على الثوب مما يجوز الصلاة فيه أوّلا كان ذلك من مصاديق الجاهل بالنجاسة الممنوعة، و هو كالجاهل بأصل وقوع النجس على ثوبه.

ثمّ أنّ ما ذكره المصنف «قده» هنا من عدم وجوب الإعادة فيما لو شك في كون الدّم مما يعفى عنه أم لا لو علم بعد الصلاة بكونه مما لا يعفى عنه، لا ينافي ما سيأتي منه «قده» من الاحتياط اللزومي بعدم العفو فيما لو شك في دم أنّه من الجروح أو القروح أم لا «1». و كذا لو شك في أنّه بقدر الدرهم أو أقل «2». و قد وافقناه هناك في عدم الجواز. وجه عدم المنافاة: هو أنّ البحث في المقام في وجوب الإعادة أو القضاء- بعد انكشاف الخلاف- مبني على القول بجواز الشروع في الصلاة عند الشك في مصداق المعفو و أما بناء على القول بعدم الجواز- للشك في أنّه من مصاديق الجاهل بالنجاسة- فلا‌

______________________________
(1) كما يأتي في «المسألة 6» من الفصل الآتي فيما يعفى عنه في الصلاة.

(2) كما يأتي في «المسألة 3» من الأمر الثاني مما يعفى في الصلاة في الفصل الآتي أيضا.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 210‌

هذه من الجهل بالنجاسة (1) لا يجب فيها الإعادة، أو القضاء.

[ (مسألة 3): لو علم بنجاسة شي‌ء، فنسي و لاقاه بالرطوبة و صلّى]

(مسألة 3): لو علم بنجاسة شي‌ء، فنسي و لاقاه بالرطوبة و صلّى، ثم تذكر أنّه كان نجسا و أنّ يده تنجست بملاقاته، فالظاهر أنّه أيضا من باب الجهل بالموضوع لا النسيان. لأنّه لم يعلم نجاسة يده سابقا، و النسيان إنّما هو في نجاسة شي‌ء آخر غير ما صلّى فيه (2).

______________________________
يبقى مجال للبحث عن الإعادة أو القضاء و عدمهما.

(1) لأنّ المراد به عدم تنجز النجاسة، كما عرفت. و هذه الكبرى الكلية تنطبق على جميع الفروع الستة الّتي أشار إليها في المتن، كما أوضحنا الكلام فيه في ذيل كل فرع بخصوصه.

(2) لو علم بنجاسة شي‌ء- كالإناء و نحوها- فنسي و لاقاه بيده أو ثوبه، برطوبة مسرية، و صلّى، ثمّ تذكر نجاسة الملاقي و أنّ يده أو ثوبه تنجست بالملاقاة حال النسيان، فهل يجري عليه حكم الناسي- بلحاظ نسيان السبب- أو حكم الجاهل بلحاظ الجهل بالمسبب، فإنّ نجاسة يده مجهولة و إن كان نجاسة سببها منسية؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ المستفاد من نصوص «1» النسيان هو بطلان الصلاة فيما إذا صلّى في النجاسة المنسية، فلا تنطبق على المقام، لأنّ النجاسة المنسية و هي نجاسة الإناء- مثلا- مما لم يصلّ فيها، و ما صلّى فيه- من الثوب أو البدن- لم يعلم بنجاسته، فهو من مصاديق من لا يعلم بالنجاسة حال الصلاة، لا الناسي لها.

نعم ربّما يتوهم عموم العلّة المنصوصة في موثقة سماعة المتقدمة «2» للمقام، لما فيها من تعليل وجوب الإعادة على الناسي، بأنّه عقوبة على‌

______________________________
(1) المتقدمة في الصفحة: 186- 187.

(2) في الصفحة: 186.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 211‌

نعم لو توضّأ أو اغتسل قبل تطهير يده و صلّى كانت باطلة من جهة بطلان وضوءه أو غسله (1).

[ (مسألة 4): إذا انحصر ثوبه في نجس]

(مسألة 4): إذا انحصر ثوبه في نجس، فإن لم يمكن نزعه حال الصلاة- لبرد أو نحوه- صلّى فيه (2).

______________________________
نسيانه كي يهتم بالنجاسة إذا كانت في ثوبه. و حيث أنّ نجاسة المسبب في المقام قد نشأ من عدم الاهتمام بنجاسة السبب، فتعمها العلّة المذكورة، و الحكم يدور مدارها وجودا و عدما.

و يندفع: بأنّ هذا مجرد إشعار لا يبلغ حدّ الدلالة، و القدر المتيقن من التعليل المذكور هو نسيان النجاسة الّتي صلّى فيها، كما هو مورد الموثقة. و أما نسيان السبب فلا تعمّه العلّة.

(1) بناء على اعتبار طهارة أعضاء الوضوء و الغسل، على كلام يأتي في محلّه. و هذا الفرع أجنبي عما نحن فيه من الصلاة في النجاسة المجهولة، إذ لا كلام في بطلانها من حيث بطلان الوضوء أو الغسل. إلّا أن المصنف «قده» تعرض له لمناسبة بينه و بين ما نحن فيه، و الأمر سهل.

(2) إذا انحصر ثوبه في النجس إذا انحصر ثوبه في النجس و لم يكن عنده غيره، فتارة: لم يمكنه نزعه حال الصلاة، لضرورة شرعية أو عرفية، و لو بأن يكون معه شخص يكون الصلاة بمحضره عاريا حرجا عليه. أو يكون ممن يجب التستر منه لكونه غير مماثل، أو ممن يطلع على عورته، أو غير ذلك من الضرورات المانعة، كالبرد و نحوه. و أخرى: يمكنه النزع لعدم ضرورة إلى لبسه. فيقع الكلام في موردين.

أما الأوّل ففيما لو انحصر الثوب في النجس مع الاضطرار إلى لبسه في‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 212‌

..........

______________________________
الصلاة. لا إشكال و لا خلاف
«1» في جواز الصلاة فيه و يدل على ذلك- مضافا إلى الإجماع أو الضرورة القائمة على أنّ الصلاة لا تسقط بحال و الأخبار «2» الواردة في السلس و المبطون، الدالّة على أنّ من لا يقدر على إزالة النجاسة لسلس أو بطن جاز له الصلاة في النجس، لأنّ اللّه تعالى أولى بالعذر، و إنّ ذلك بلاء ابتلى به. إذ لا فرق فيما اضطر إليه من نجاسة البدن أو اللباس- الأخبار «3» الآتية الدالّة على جواز الصلاة في الثوب النجس، لأنّ القدر المتيقن منها هي صورة الاضطرار. و إن كان الأصح هو فرض إطلاقها، فتشمل صورة غير الاضطرار أيضا، كما يأتي. إلّا أنّ التمسك بها للمقام لا إشكال فيه.

بل في بعضها التنصيص بالاضطرار، كما في ما:

عن محمّد الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يجنب في الثوب، أو يصيبه بول، و ليس معه ثوب غيره. قال: يصلّي فيه إذا اضطر إليه» «4».

بناء على حمل الاضطرار فيها على ما نحن فيه أي الاضطرار إلى اللبس، لا بمعنى عدم وجود ثوب غيره- كما هو محل السؤال- كما احتمله بعضهم «5».

______________________________
(1) و في الجواهر ج 6 ص 252: أنّه «صلّى فيه قولا واحدا».

(2) لاحظ وسائل الشيعة: ج 1 ص 210- 187 في الباب 19، 7 من أبواب نواقض الوضوء كحسنة منصور و موثقة سماعة.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1066 الباب 45 من أبواب النجاسات.

(4) في الباب المتقدم، الحديث: 7.

(5) كصاحب الحدائق «قده» في ج 5 ص 352. و لا يخفى بعده لاستلزامه تكرار ما فرضه السائل مع أنّ الظاهر منه التشقيق لمورد السؤال، إذ الانحصار قد يكون مع الاضطرار، و قد لا يكون معه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 213‌

و لا يجب عليه الإعادة أو القضاء (1).

______________________________
و أما الاستدلال على الجواز: بأنّ الأدلة الدالّة على شرطيّة الطهارة من الخبث في الصلاة غير متناولة لحال الضرورة، فيبقى عموم الأوامر سالما عن معارضة ما يقتضي الاشتراط و التخصيص. و استجوده في الحدائق
«1».

فغير صحيح، لإطلاق أدلّة الاشتراط الشاملة لصورة الاضطرار، فإنّه من الأحكام الوضعيّة الّتي لا يفرق فيها بين الاضطرار و عدمه.

(1) بعد الفراغ عن جواز الصلاة في الثوب النجس مع الاضطرار يقع الكلام في وجوب الإعادة و القضاء لو تمكن من الثوب الطاهر في الوقت أو خارجه.

أما القضاء فلا إشكال- بل لا خلاف- في عدم وجوبه، حتّى من الشيخ و من قيل بمتابعته له من القائلين بوجوب الإعادة، فإنّ موضوعه الفوت، و المفروض عدمه، لأنّه أتى بصلاة جامعة للأجزاء و الشرائط و فاقدة للموانع بالنسبة إليه، لما ذكرنا من عدم مانعيّة النجاسة حال الاضطرار، لعدم اجتماع الأمر بالصلاة في النجس مع الاضطرار- كما هو المتيقن من الأخبار المشار إليها آنفا- «2» مع مانعيته في هذا الحال فلا بد من الالتزام بالعفو.

و أما الإعادة، فالمشهور عدم وجوبها. و عن الشيخ في جملة من كتبه «3» وجوبها، و كذا عن ابن الجنيد، حيث قال- في عبارته المحكية «4» عن مختصرة- «و الّذي ليس معه إلّا ثوب واحد نجس يصلّي فيه، و يعيد في‌

______________________________
(1) ج 5 ص 349.

(2) في الصفحة 211 و هي الأخبار الآمرة بالصلاة في الثوب النجس إذا لم يكن معه غيره.

(3) التهذيب ج 2 ص 224 و الاستبصار ج 1 ص 169 طبعة دار الكتب الإسلامية.

(4) حكاها في الحدائق ج 5 ص 350.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 214‌

..........

______________________________
الوقت إذا وجد غيره. و لو أعاد إذا خرج الوقت كان أحب إلي.» و عن المدارك و الرياض نسبته إلى جمع
«1».

و يستدل لهم ب‍:

موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «إنّه سئل عن رجل ليس عليه إلّا ثوب، و لا تحلّ الصّلاة فيه، و ليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال: يتيمم و يصلّي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة» «2».

أقول: يقع الكلام- تارة- فيما هو مقتضى القواعد العامة و- أخرى- فيما تدل عليه الموثقة.

أما القواعد العامة فهي تقتضي عدم وجوب الإعادة في المقام. لا بلحاظ أنّ الأمر الاضطراري يقتضي الإجزاء- لما ذكرناه في بحث الأصول من أنّ مجرد الاضطرار لا يقتضي الإجزاء ما لم يستوعب تمام الوقت- لأنّ الاضطرار في بعض الوقت لا يستدعي تحقق الأمر الاضطراري كي يوجب امتثاله الإجزاء لبقاء الأمر الاختياري مع التمكن من امتثاله و لو في بعض الوقت، لتعلقه بالطبيعة السارية القابلة للانطباق على جميع الأفراد العرضيّة و الطوليّة، فلا موجب لسقوطه إلّا مع العجز عن امتثاله في جميع الوقت.

و أما مع العجز عنه في أوّله فقط فلا موجب لسقوطه، لأنّ المفروض تحقق التمكن من امتثاله في الجملة و لو في آخر الوقت، و هذا المقدار يكفي في بقائه.

و لا إطلاق في أدلّة البدليّة يشمل الاضطرار الزائل في أثناء الوقت.

و يترتب على ذلك: عدم جواز البدار لذوي الأعذار إلّا بمجوز شرعي‌

______________________________
(1) كما في الجواهر ج 6 ص 252. و لكن أنكر عليهما ذلك أشد الإنكار. فراجع.

(2) وسائل الشيعة ج 2 ص 1066 في الباب: 45 من أبواب النجاسات، الحديث: 8.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 215‌

..........

______________________________
و لو كان هو استصحاب بقاء العذر إلى آخر الوقت، أو عقلي كاعتقاد بقائه فلو بادر إلى الصلاة الاضطرارية مع المجوز ثم انكشف الخلاف بارتفاع الاضطرار أثناء الوقت كان مقتضى القاعدة وجوب الإعادة لانكشاف بقاء الأمر الاختياري المتعلق بالصلاة الاختيارية و عليه لو علم بارتفاع العذر آخر الوقت لزم التأخير، كما يؤيّد ذلك ما في بعض النصوص
«1» الواردة في فاقد الماء من أنّه «يطلبه ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته فليتيمم و ليصلّ آخر الوقت» و ما ورد «2» فيمن غرقت ثيابه و ليس معه ثوب من أنّه «يؤخّر صلاته إلى أن يجد ثوبا و لو في آخر الوقت، و إلّا فيصلّي عريانا» ففي المقام لو تمكن أثناء الوقت من تطهير ثوبه أو تبديله كان مقتضى القاعدة وجوب الإعادة. فعدم وجوب الإعادة ليس لأجل اقتضاء الأمر الاضطراري الإجزاء.

بل لشمول حديث «لا تعاد.» له لما ذكرناه «3» من أنّ الأصح شموله للطهارة الخبثيّة، و للجاهل، أيضا كالناسي. و المستصحب لبقاء النجاسة- أو المعتقد ببقائها إلى آخر الوقت- يكون جاهلا باشتراط صلاته بالطهارة، فكما أنّ الحديث يشمل الجهل بأصل النجاسة، كذلك يشمل الجهل بمانعيّتها أو اشتراط عدمها في الصلاة، كما في المقام. و هو حاكم على أدلّة الاشتراط، كما في بقيّة موارد شموله.

فتحصل: أنّ مقتضى حديث «لا تعاد.» عدم وجوب الإعادة فيما إذا صلّى في الثوب النجس مع الاضطرار إلى لبسه و إن تمكن من الماء أثناء‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 981 في الباب 14 من أبواب التيمم. الحديث: 3.

(2) وسائل الشيعة: ج 3 ص 328 في الباب 52 من أبواب لباس المصلّي. الحديث: 1.

(3) في الصفحة: 141- 145.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 216‌

..........

______________________________
الوقت كما عليه المشهور شهرة عظيمة، إذ لم نتحقق الخلاف إلّا من الشيخ و ابن الجنيد.

و أما الموثقة فمن حيث دلالتها على وجوب الإعادة لو أصاب الماء في الوقت تكون على طبق القاعدة، لما ذكرناه آنفا من عدم إجزاء الأمر الاضطراري. إلّا أنها أجنبية عن المقام، و ذلك لأنّ المفروض فيها فقدان الماء حتّى لأجل الطهارة المائيّة، بحيث أمره الإمام عليه السّلام بالصلاة مع التيمم، فصلّى فاقد للطهارتين- الطهارة المائيّة الحدثية و الطهارة عن الخبث- لأنّه صلّى في الثوب النجس متيمما، و حينئذ إذا أصاب الماء تجب عليه الإعادة مع الطهارتين، لانكشاف بطلان صلاته الأولى المتوهم فيها تعلق الأمر الاضطراري، لتمكنه من تحصيل الطهارة الحدثيّة و الخبثيّة أثناء الوقت و حديث «لا تعاد.» لا يشمل فاقد الطهارة الحدثيّة لأنّها من الخمسة المستثناة الّتي تعاد منها الصلاة.

فظهر بما ذكرنا: أنّ الاستدلال «1» بالموثقة على وجوب الإعادة في صورة فقد الطهارة الخبثيّة و حدّها- كما هو المبحوث عنه في المقام- غير صحيح، لاستناد الأمر بالإعادة فيها إلى فقد الطهارة الحدثية المائية، و لا أقل من احتماله، الموجب للإجمال المسقط للاستدلال.

كما ظهر فساد حمل «2» الأمر فيها بالإعادة على الاستحباب، إما بدعوى: أنّه مقتضى الجمع بينها و بين الأخبار المشار إليها آنفا- أعني الأخبار الدالّة على جواز الصلاة في الثوب النجس- بتوهم دلالتها على‌

______________________________
(1) كما عن بعض.

(2) تعريض على الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه، كتاب الطهارة ص 629، و على الجواهر ج 6 ص 452 و غيرهما.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 217‌

..........

______________________________
الإجزاء من حيث سكوتها في مقام البيان و خلوها عن الأمر بالإعادة لو تمكن من الماء أثناء الوقت.

و إما بدعوى: قرينيّة ما في جملة من النصوص «1» من الأمر بالإعادة لو صلّى مع التيمم المحمول على الاستحباب جمعا بينها و بين غيرها من النصوص الدالة على الإجزاء- كما عن المشهور.

و ذلك لاندفاع الدعوى الأولى بأنّه لا تنافي بين الموثقة و بين شي‌ء من النصوص الدالة على جواز الصلاة في الثوب النجس لأنّ مورد الموثقة هي الصلاة فيه مع التيمم أي فرض فقدان الطهارتين- الطهارة الخبثية و المائية- و مورد تلك النصوص هي الصلاة في النجس مع الوضوء فلا تنافي في البين كي يقتضي الجمع.

على أنّها في نفسها قاصرة عن الدلالة على الإجزاء لعدم ثبوت إطلاق لها من هذه الجهة على وجه يمكن الاعتماد عليه في الخروج عما عرفت من مقتضى القاعدة أعني عدم إجزاء الأمر الاضطراري إذا لم يستوعب الاضطرار تمام الوقت.

و ظهر بذلك أيضا اندفاع الدعوى الثانية لاختلاف موردها عما لعلّه المشهور من استحباب الإعادة لو صلّى بتيمم صحيح ثم زال العذر لأنّ مورده صورة العلم ببقاء العذر، أو اليأس عن زواله فأتى بالفريضة ثم زال العذر أثناء الوقت، فإنّه لا مانع من الالتزام باستحباب الإعادة، لصحة التيمم و الصلاة حينئذ. كما يأتي في محله «2» إن شاء اللّه تعالى.

______________________________
(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 981 في باب 14 من أبواب التيمم.

(2) لاحظ فصل أحكام التيمم في «المسألة 3 و 8».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 218‌

و إن تمكن من نزعه، ففي وجوب الصلاة فيه، أو عاريا، أو التخيير، وجوه، الأقوى الأوّل، و الأحوط تكرار الصلاة (1).

______________________________
و أين هذا عن مورد الموثقة الذي قلنا أنّ وجوب الإعادة فيه على طبق القاعدة- و هو عدم إجزاء الأمر الاضطراري فيما إذا لم يستمر العذر إلى آخر الوقت- فظهر اختلاف موردها عن مورد ما دل من الأخبار على استحباب إعادة الصلاة التي صلّاها بتيمم صحيح لو وجد الماء أثناء الوقت، فلا تصادم في البين كي يقتضي الجمع بينهما بما ذكر.

فتحصل من جميع ما ذكرناه إلى هنا: أنّ مقتضى ما اخترناه من قاعدة عدم إجزاء الأمر الاضطراري هو وجوب الإعادة في الوقت، سواء صلّى في النجس أو مع التيمم. إلّا أنّ حديث «لا تعاد.» يشمل الأوّل دون الثاني. و الأمر بالإعادة في الموثقة ظاهر أو محمول على الثاني، لاشتمال موردها عليه فالالتزام بالوجوب في موردها لا محذور فيه، إذ هو غير ما نحن فيه من الصلاة في الثوب النجس مع الوضوء التي يشملها حديث: «لا تعاد.» على المختار. هذا تمام الكلام في المورد الأوّل.

و يأتي الكلام في المورد الثاني- و هو ما إذا تمكن من نزع الثوب- بعيد هذا.

(1) أشرنا آنفا إلى أنّ الكلام في المورد الثاني يقع فيما إذا تمكن من نزع الثوب النجس، لعدم مانع شرعي أو عرفي. و فيه وجوه، بل أقوال.

أحدها: وجوب الصلاة عاريا. و هو المشهور «1»، بل عن الرياض نسبته إلى الشهرة العظيمة، بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه «2».

______________________________
(1) كما في الحدائق ج 5 ص 349.

(2) كما في الجواهر ج 6 ص 248. و قال بعد ذلك: «و لكن قد يشكل بعدم تحقق الشهرة- أوّلا- فضلا عن الإجماع المحكي. مع احتمال إرادة حاكية الإجزاء لو صلّى عاريا لا الوجوب، و هو مما لا كلام فيه. بل في المنتهى أنّه يجزي قولا واحدا.» إلّا أنّه «قده» قوى تحقق الشهرة- بل الإجماع- لعدالة حاكيه. راجع الصفحة 250 منه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 219‌

..........

______________________________
ثانيها- و هو دون الأوّل قائلا- التخيير بينه و بين الصلاة في الثوب النجس كما عن الفاضلين و الشهيدين، و جماعة من المتأخرين، و كذا عن ابن الجنيد القول بذلك. إلّا أنّه قال: إنّ الأحب عنده الصلاة في الثوب النجس من الصلاة عاريا
«1».

ثالثها- و هو دون الأوّلين قائلا- وجوب الصلاة في الثوب النجس.

و منشأ اختلاف الأقوال إنّما هو اختلاف الروايات الواردة في المقام.

و هي على طائفتين، إحداهما: ما ورد فيها الأمر بالصلاة في الثوب النجس.

الثانية: ما ورد فيها الأمر بالصلاة عاريا. و رجح بعضهم الأولى لمرجح داخلي، أعني صحة إسنادها و كثرتها، بحيث يطمأن و لو بصدور بعضها إجمالا. و رجح بعضهم الثانية لمرجح خارجي، و هو مطابقتها لفتوى المشهور المدعى عليها الإجماع، كما عرفت. و جمع بعضهم بينهما بالحمل على التخيير، فلنذكر- أوّلا- الروايات الواردة في هذه المسألة، ثمّ نذكر المختار فيها.

أما الطائفة الأولى: و هي الروايات الدالة على الصلاة في الثوب النجس فهي و إن لم تبلغ حد التواتر إلّا أنّ فيها الصحاح، بحيث يطمأن بصدور بعضها عن الإمام عليه السّلام.

فمنها: صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السّلام قال: «سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة، فأصاب ثوبا نصفه دم أو كلّه دم يصلّي فيه‌

______________________________
(1) الحدائق ج 5 ص 350 و الجواهر ج 6 ص 249.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 220‌

..........

______________________________
أو يصلّي عريانا؟ قال: إن وجد ماء غسله، و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصل عريانا»
«1».

و منها: صحيحة محمّد بن علي الحلبي أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام: «عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول، لا يقدر على غسله؟ قال: يصلّي فيه» «2».

و منها: صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن رجل أجنب في ثوبه، و ليس معه ثوب غيره (آخر)؟ قال: يصلّي فيه، فإذا وجد الماء غسله» «3».

و منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام:

«عن الرجل يجنب في ثوبه، ليس معه غيره، و لا يقدر على غسله؟ قال:

يصلّي فيه» «4».

و نحوها غيرها «5».

و أما الطائفة الثانية- و هي المعارضة للطائفة الأولى- فهي ثلاث روايات:

إحداها: مضمرة سماعة قال: «سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض، و ليس عليه إلّا ثوب واحد و أجنب فيه، و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمم و يصلّي عريانا، قاعدا يومي إيماء» «6».

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 1066 في الباب: 45 من أبواب النجاسات، الحديث: 5.

(2) وسائل الشيعة ج 2 ص 1066 في الباب: 45 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(3) وسائل الشيعة ج 2 ص 1066 في الباب: 45 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(4) وسائل الشيعة ج 2 ص 1066 في الباب: 45 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

(5) الباب المتقدم، الحديث: 6، 7.

(6) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1068 في الباب: 46 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 221‌

..........

______________________________
كذا في الكافي
«1» و التهذيب «2».

ثانيتها: مضمرته الأخرى عن الاستبصار «3» إلّا أنّ فيها: «و يصلّي عريانا قائما و يومي إيماء» «4».

ثالثتها: رواية محمّد بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «في رجل أصابته جنابة و هو بالفلاة، و ليس عليه إلّا ثوب واحد، و أصاب ثوبه مني؟

قال: يتيمم، و يطرح ثوبه، و يجلس مجتمعا، فيصلّي و يومي إيماء» «5».

هذه هي الروايات الواردة في المقام.

فنقول: أما الثلاثة الأخيرة الدالّة على الصلاة عاريا فكلها ضعاف لا يمكن الاعتماد على شي‌ء منها.

أما روايتا سماعة فلإضمارهما. و لم يبلغ هو في الفضيلة مرتبة يحصل العلم أو الاطمئنان بأنّه لا يضمر إلّا عن الإمام- نظير محمّد بن مسلم، و زرارة، و أضرابهما- حتّى لا يحتمل سؤاله غير الإمام عليه السّلام: فمن المحتمل أن يكون قد أضمر عن أحد فقهاء الشيعة. و مما يؤيد ذلك اختلاف روايته من حيث الصلاة عاريا قاعدا- تارة- و قائما- أخرى- و أما رواية محمّد الحلبي فضعيفة بجهالة محمّد بن عبد الحميد في طريقها، فإنّ أباه عبد الحميد و إن كان ثقة، و قد ورد في صحيحة إسماعيل بن بزيع عن أبي جعفر عليه السّلام «إذا كان القيم به‌

______________________________
(1) ج 3 ص 396 الحديث: 15 طبعة دار الكتب الإسلاميّة.

(2) ج 2 ص 223 الحديث: 881 طبعة دار الكتب الإسلاميّة.

(3) ج 1 ص 168 الحديث: 582 طبعة دار الكتب الإسلاميّة.

(4) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1068 في الباب: 46 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(5) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1068 في الباب: 46 من أبواب النجاسات، الحديث: 4.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 222‌

..........

______________________________
مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس»
«1». إلّا أنّ ابنه (محمّد) الواقع في سند الرواية لم يثبت وثاقته، فإنّ من وثقه من العلماء أنّما تبع النجاشي في توثيقه. و لكن العبارة المحكية عنه غير وافية بتوثيق الرجل فقد قال في المحكي من عبارته «محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر، روي عبد الحميد عن أبي الحسن موسى عليه السّلام، و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين» «2» و هذه العبارة و إن أوردها في ترجمة محمّد بن عبد الحميد إلّا أنّ ظاهر الضمير في قوله «كان ثقة» هو الرجوع إلى أبيه عبد الحميد دون ابنه (محمّد). و لا أقل من الإجمال و كيف كان فلم تثبت وثاقة محمّد بن عبد الحميد «3» و عليه لا يمكن الاعتماد على شي‌ء من هذه الروايات- بناء على الاعتبار بوثاقة الراوي- فضلا عما إذا قلنا بكون الاعتبار بالعدالة، كما هو مسلك صاحب المدارك و بعض آخر، حيث أنّهم يعتبرون كون الراوي إماميا عدلا. و من هنا طرحوا الطائفة الثانية و كيف كان فيتعين العمل بالطائفة الأولى الدالة على وجوب الصلاة في الثوب النجس عند الانحصار، إذ لا معارض لها يعتمد عليه على كلا المسلكين.

و على فرض التنزل و ثبوت الاعتبار بالطائفتين فقد جمع الشيخ «4» بينهما، بحمل الطائفة الأولى على صلاة الجنائز، و صحيحة عليّ بن جعفر على‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة: ج 12 ص 269 في الباب: 16 من أبواب عقد البيع و شروطه الحديث: 2 و في ج 2 من تنقيح المقال ص 135.

(2) جامع الرواة ج 2 ص 136.

(3) و لكنّه ممن وقع في أسناد كامل الزيارات في الباب 17، الحديث: 2 ص 59. و قد وثقهم السيد الأستاذ دام ظله كما تقدم في تعليقة الجزء الثالث من كتابنا ص 27- 28.

(4) لاحظ كتاب التهذيب ج 2 ص 223 طبعة دار الكتب الإسلامية في ذيل الحديث: 885.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 223‌

..........

______________________________
الدم المعفو عنه، كدم السمك و نحوه
«1». و لا يخفى بعد ذلك، لعدم شاهد عليه.

و قد يجمع بينهما بحمل الطائفة الأولى على الضرورة، بشهادة:

رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام: «عن الرجل يجنب في الثوب، أو يصيبه بول، و ليس معه ثوب غيره. قال: يصلّي فيه إذا اضطر إليه» «2».

بدعوى: ظهورها في إرادة الاضطرار إلى لبس الثوب، فتدل على جواز لبسه في هذه الصورة دون غيرها، فيقيّد بها إطلاق الطائفة الأولى. و هذا الجمع في نفسه و إن كان لا بأس به لو تمت شهادة هذه الرواية- إذ بها يخرج عن الجمع التبرعي- إلّا أنّه يبتني على تماميتها سندا و دلالة، و لا يتم شي‌ء منهما، أما سندها فلضعفه ب‍ «قاسم بن محمّد» فإنّه لم يوثّق «3».

و أما دلالتها فغير تامة في نفسها، لابتنائها على إرادة الاضطرار إلى لبس الثوب مطلقا، و لو في غير الصلاة، لبرد و نحوه. إلّا أنّه يحتمل أنّ يكون المراد الاضطرار إلى اللبس في خصوص الصلاة، مبنيا على ما هو المرتكز في أذهان المتشرعة من لزوم التستر في الصلاة، فيكون منشأ الاضطرار إنّما هو وجوب الصلاة لا جهة أخرى من برد و نحوه. و عليه يكون محصّل معنى الرواية: إنّه يصلّي في الثوب النجس من جهة انحصار ثوبه فيه- كما هو مفروض السؤال- للاضطرار إلى الصلاة فيه لا لجهة أخرى. فيكون مفادها‌

______________________________
(1) لاحظ التهذيب ج 2 ص 224 في ذيل الحديث 886.

(2) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1066 في الباب: 45 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

(3) و هو قاسم بن محمّد الجوهري. و لكنّه من رجال كامل الزيارات في الباب 77، الحديث: 1 ص 189، و قد تقدم في الجزء الثالث ص 32- 33 توثيقهم عن السيد الأستاذ دام ظله إلّا أنّ ذلك لا يجدي شيئا لضعف دلالة الرواية كما يظهر من الشرح.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 224‌

..........

______________________________
مفاد باقي الروايات الدالّة على جواز الصلاة في الثوب النجس، فلا تصلح شاهدا للجمع المذكور، إذ مفادها مفاد تلك بعينه من دون زيادة، هذا أوّلا.

و ثانيا: لو سلم إرادة الاضطرار إلى لبس الثوب النجس، لم تصلح لأنّ تكون قرينة لحمل بعض تلك النصوص على الاضطرار إليه، لصراحتها في عدمه.

و ذلك كصحيحة عليّ بن جعفر المتقدمة «1» فإنّ مورد السؤال فيها أنّ الرجل كان عريانا ثمّ أصاب ثوبا نجسا، فهل يصلّي فيه أو يصلّي عريانا؟

فأمره عليه السّلام بالصلاة فيه. و دونها في الدلالة صحيحتا الحلبي و عبد الرحمن «2» فإنّ مفروض السؤال فيهما عدم القدرة على غسل الثوب النجس، لا عدم القدرة على نزعه و الصلاة عاريا، و ظاهره اختصاص عدم القدرة بالأوّل، دون الأعم أو خصوص الثاني، و إلّا لكان الأنسب السؤال عنه أيضا.

فتحصل: إنّ الجمع المذكور- كسابقه- أيضا غير تام فإلى هنا تستقر المعارضة بين الطائفتين، و لا يمكن ترجيح الأولى- بلحاظ أصحيّة أسنادها- لأنّ المفروض اعتبار الطائفة الثانية أيضا. كما أنّه لا يمكن ترجيح الثانية بلحاظ عمل المشهور بها، لأنّ مجرد عمل الأصحاب لا يكون من المرجحات عندنا. مضافا إلى عمل جمع منهم بالطائفة الأولى أيضا، هذا.

و لكن الصحيح في المقام هو الالتزام بالتخيير بين الصلاة في الثوب النجس و الصلاة عاريا، جمعا بين الطائفتين جمعا عرفيا، و ذلك برفع اليد عن ظهور كل منهما بنص الأخرى، فإنّ الأمر بالصلاة عاريا نص في أصل الوجوب، و ظاهر- بمقتضى إطلاقه، و عدم ذكر العدل- في التعيين. و كذلك‌

______________________________
(1) في الصفحة: 219- 220.

(2) في الصفحة: 220.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 225‌

..........

______________________________
الأمر بالصلاة في الثوب النجس، فيرفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين بنصوصيّة الآخر في أصل الجواز، و تكون النتيجة هو الوجوب التخييري كما في نظائر المقام و قد اختار هذا الجمع جمع من محققي الأعلام.

و ربما يشكل على ذلك: بعدم معقوليّة التخيير في أمثال المقام مما يتردد الواجب بين ضدين لا ثالث لهما كالحركة و السكون، لعدم خلو المكلف عن أحدهما لا محالة، فيكون طلب أحدهما من طلب الحاصل. و قد نبه على هذا شيخنا الأستاذ «قده» في بحث الواجب التخييري و الترتب، و رتّب على ذلك استحالة الأمر الترتبي فيه أيضا لما ذكر، فإنّ المكلف عند تركه لأحدهما يأتي بالآخر لا محالة، فلا مجال للأمر به فيدعي تطبيق ذلك على المقام، فإنّ مفروض الروايات إنّما هو مفروغيّة وجوب الصلاة، لظهور السؤال الوارد فيها في السؤال عن خصوصيّة الصلاة في الثوب النجس أو عاريا. و من المعلوم أنّه- بعد مفروغيّة وجوب الصلاة- لا يخلو الحال عن إحدى الخصوصيتين و لا ثالث لهما، لأنّ المصلّي إما أنّ يصلّي عاريا أو في الثوب النجس و لا واسطة في البين. نعم لو كان السؤال عن أصل وجوب الصلاة أمكن الوجوب التخييري، لوجود الواسطة، و هي ترك الصلاة.

و يندفع: بوجود الواسطة حتّى في مفروض الروايات، أعني فرض تحقق الصلاة، و هي الصلاة عاريا مع الركوع و السجود التّأمين، أو الصلاة في الثوب النجس مع الإيماء لهما. و بعبارة واضحة: يعتبر في كل من الصلاة عاريا و في الثوب النجس خصوصيّة غير ما يعتبر في الأخرى، إذ لا بدّ في الصلاة عاريا من الإيماء للركوع و السجود قائما أو قاعدا، لوجوب ستر العورة في الصلاة مع الإمكان. كما أنّه لا بدّ من الركوع و السجود التّأمين مع وجود الساتر. فإذا كان كل من هذين عدلا للتخيير فقد تحقق لهما ثالث، كما‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 226‌

..........

______________________________
ذكرنا. فليس التخيير في المقام بين الصلاة عاريا أو مستترا كي لا يكون لهما ثالث، بل التخيير بين الصورتين المذكورتين، و لهما ثالث. فالسؤال في الروايات إنّما هو عن اعتبار إحداهما دون الأخرى، و لا محذور فيه.

و قد تحصّل من جميع ما ذكرناه: إنّ القول بالتخيير هو الأوفق بقواعد الجمع العرفي في الطائفتين، بعد تسليم تكافؤ السند فيهما. لكن قد عرفت «1» عدم حجية الطائفة الثانية، أي الروايات الدالّة على الصلاة عاريا. فالأقوى هو ما في المتن من وجوب الصلاة في الثوب النجس. كما لا ريب في أنّه الأحوط، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير، فالصلاة في الثوب النجس صحيحة قطعا، إما لكونها واجبة تعيينا أو أحد فردي الواجب التخييري.

و أما النهي عن الصلاة عاريا في صحيحة علي بن جعفر عليه السّلام «2» حيث قال عليه السّلام فيها: «و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصلّ عريانا» فلا ينافي ما حملنا عليه الروايات من الوجوب التخييري، على تقدير القول بتكافؤ أسناد المتعارضات في المقام. و ذلك للزوم حمله على الكراهة بالمعنى المتصور في العبادات، بمعنى أفضليّة الصلاة في الثوب النجس، و صرفه عن ظهوره في الإرشاد إلى فساد الصلاة عاريا إلى مرجوحيّة الصلاة كذلك، بقرينة نصوصيّة الروايات الآمرة بالصلاة عاريا في الجواز.

______________________________
(1) و قد عرفت في تعليقة الصفحة 223 اعتبار سند رواية محمد بن علي الحلبي التي هي من الطائفة الثانية الدالة على وجوب الصلاة عاريا- بناء على ما سلكه دام ظله أخيرا من وثاقة من وقع في أسناد كامل الزيارات- فمقتضى القاعدة هو التخيير- كما ذهب إليه جمع من أعيان الأصحاب كما تقدم في الصفحة: 219- و إن كان الأحوط الصلاة في الثوب النجس لما ذكر في الشرح.

(2) المتقدمة في الصفحة: 219.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 227‌

[ (مسألة 5): إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرر الصلاة]

(مسألة 5): إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرر الصلاة (1).

______________________________
(1)
العلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما، فإن تمكن من غسل أحدهما يغسله و يصلّي فيه، تحصيلا للعلم بالطهارة مع التمكن، سواء صادف كون المغسول نجسا، أو طاهرا، واقعا.

و أما إذا لم يتمكن من غسل شي‌ء منهما، فالمشهور أنّه يحتاط بتكرار الصلاة فيهما، تحصيلا للقطع بفراغ الذمّة عما اشتغلت به، و هو الصلاة في الثوب الطاهر. و في قبال المشهور ابنا إدريس و سعيد، حيث قالا بوجوب الصلاة عاريا.

و ينبغي التكلم- أوّلا- في ما هو مقتضى القاعدة، و ثانيا في ما هو مدلول النص في المقام. فيقع البحث في جهتين:

أمّا الأولى ففيما تقتضيه القاعدة، فنقول: أنّ مقتضى العلم الإجمالي بوجوب الصلاة في الثوب الطاهر هو وجوب الاحتياط، بتكرار الصلاة، تحصيلا للقطع بالفراغ- كما أشرنا- إذ لا يعتبر في صحة العبادة- كما مر غير مرة- سوى قصد القربة، الّتي يكفي فيها مجرد الإضافة إلى المولى، و لو رجاء لاحتمال المطلوبيّة. و هذا المعنى متحقق في كل من طرفي العلم الإجمالي بطهارة الثوب، فالعلم الإجمالي بنجاسة أحدهما لا يمنع عما هو معتبر في صحة العبادة، فإنّ احتمال مانعيّة النجاسة لا ينافي احتمال المطلوبية المتقوم باحتمال الطهارة، الّذي يكفي في تحقق القربة بالمعنى المذكور. فتحصل: أنّ الاحتياط لا ينافي قصد القربة. كما أنّه لا ينافي قصد الوجه أيضا بناء على اعتباره، إذ يكفي فيه الإتيان بالمأمور به الواقعي المردد بين أمرين أو أكثر، بقصد الوجوب غاية أو وصفا، بأنّ يأتي بالصلاة بداعي وجوبها أو وجوب الصلاة الأخرى‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 228‌

..........

______________________________
الّتي يأتي بها بعد هذه. أو بوصف أنّه كذلك. أو بداعي احتمال وجوبها. أو احتمال أنّه مصداق للواجب الواقعي.

نعم إنّما ينافي الاحتياط الجزم بالنيّة و قصد التمييز، لعدم الجزم مع الاحتمال. و هذا ما استدل به ابنا إدريس و سعيد. و لتحصيله يجب إلغاء أحد الأمرين، إما مانعية النجاسة فيصلّي في أحد الثوبين و لو كان نجسا واقعا. و إما شرطية الساتر فيصلّي عاريا. و الثاني أولى عندهما عند الدوران، بزعم شهادة وجوب الصلاة عاريا لو دار الأمر بينها و بين الصلاة في النجس، فلو ألغي اعتبار الساتر في هذا الحال يصلّي عاريا مع الجزم في النية.

و فيه أوّلا: أنّه لا دليل على اعتبار هذا الشرط رأسا و لو تمكن منه، لعدم دليل عليه في الأخبار أو غيرها سوى الشهرة بين القدماء، و هي لا تكفي في الحجية. كيف و لو كان هناك دليل على اعتباره لوصل إلينا، لتوفر الدواعي على حفظه، كأدلة بقيّة الأجزاء و الشرائط المعتبرة في الصلاة الّتي يبتلى بها في اليوم مرات.

و ثانيا: لو سلم اعتباره لكان ذلك في طول سائر الأجزاء و الشرائط المعتبرة في ماهيّة العبادة، لأنّ الجزم بالنيّة و قصد التمييز- سواء أ كان في التكليف، أم المكلف به، أم أجزائه- إنّما يعتبر مع الإمكان، فإذا لم يتمكن المكلف من التمييز كما هو مفروض المقام- لاشتباه الثوب الطاهر بالنجس- فلا مجال للالتزام باعتباره. و عليه لو دار الأمر بين سقوط هذا الشرط و غيره من الأجزاء و الشرائط- كالساتر في المقام- تعيّن سقوط هذا الشرط المتأخر رتبة عن غيره من الأجزاء و الشرائط. و عليه كان مقتضى القاعدة الاحتياط بتكرار الصلاة في كلا الثوبين، تحصيلا للعلم بفراغ الذمة.

هذا كله بناء على أنّ تكون حرمة الصلاة في النجس تشريعيّة، لظهور‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 229‌

..........

______________________________
النهي عن الصلاة في النجس في الإرشاد إلى مانعيّة النجاسة، لما مر غير مرّة من ظهور الأوامر- المتعلقة بأجزاء المركب أو شرائطه- في الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطيّة، و كذا النواهي المتعلقة بالموانع في الإرشاد إلى مانعيّتها.

فالحرمة في أمثال المقام وضعيّة، بمعنى بطلان الصلاة في النجس لا غير. كما أنّ الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر إرشاد إلى شرطية الطهارة. و نتيجة ذلك: إنّه لا تحرم الصلاة في النجس إلّا إذا قصد الأمر به تشريعا. و أما لو قلنا بكون الحرمة في المقام ذاتية وقع التزاحم بين الحكمين، حرمة الصلاة في النجس و وجوب الصلاة في الثوب الطاهر، لعدم إمكان امتثالهما معا، و ذلك لحصول علمين اجماليّين في المقام، أحدهما: العلم الإجمالي بوجوب الصلاة في الثوب الطاهر المعلوم بالإجمال، و الثاني: حرمة الصلاة في الثوب النجس المعلوم كذلك. و عليه، فهل تجب الصلاة عاريا تقديما لجانب الحرمة؟ أو الاحتياط بتكرار الصلاة فيهما تقديما لجانب الوجوب؟ أو الصلاة في أحدهما تحصيلا للموافقة الاحتمالية لكليهما عند تعذر الموافقة القطعية لهما؟

و إن شئت فقل: إنّ الصلاة في كل من الثوبين المشتبهين يدور أمرها بين محذورين، لاحتمال الوجوب و الحرمة في كل منهما، و مقتضى القاعدة في أمثال ذلك هو: أنّه إن أحرزت الأهمية في أحد الحكمين- أو كان محتمل الأهمية فلا بدّ من تقديمه على الآخر في مقام الامتثال و لو استلزم ذلك المخالفة القطعية للآخر فلا يجوز الاكتفاء حينئذ بالموافقة الاحتمالية لكليهما- بأن يصلّى في أحد الثوبين- لأنّ الموافقة الاحتمالية لكلا الحكمين قد تستلزم فوات الأهم المفروض عدم رضا الشارع بتركه و لو احتمالا، فلا بدّ من ترجيح جانب الأهم على أي تقدير و عليه فإن علم أو احتمل أهمية وجوب الصلاة في الثوب الطاهر، فلا بدّ من الاحتياط بتكرار الصلاة فيهما، كما أنّه لو كانت‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 230‌

..........

______________________________
الحرمة أهم أو محتملة تجب الصلاة عاريا. نعم لو أحرز التساوي جاز له الصلاة في كل من الثوبين تحصيلا للموافقة الاحتمالية عند تعذر الموافقة القطعية، هذا.

و لكن الصحيح في المقام هو تقديم جانب الحرمة و الصلاة عاريا، فلا يجوز الصلاة فيهما، و لا في أحدهما. و ذلك لأنّ القدرة المعتبرة في أجزاء الصلاة و شرائطها قدرة شرعية، لعدم مزاحمتها لشي‌ء من الواجبات و المحرمات، فإنّه عند المزاحمة معها يسقط اعتبارها في الصلاة و ينتقل إلى المرتبة التالية، و لا يجوز الإتيان بالقيد المعتبر في الصلاة لو توقف على ترك واجب أو فعل حرام. و من هنا لو علم إجمالا بغصبيّة أحد الثوبين لا يجوز له الصلاة- و لا في أحدهما- تحصيلا للعلم بالصلاة في الساتر المباح و لو احتمالا، بل وظيفته الصلاة عاريا، لسقوط شرطيّة الساتر حينئذ.

ففي المقام حيث يتوقف الصلاة في الساتر الطاهر على ارتكاب الحرام، و هو الصلاة في النجس على الفرض، يسقط اعتباره أيضا، لأنّ القدرة المعتبرة فيه أيضا شرعية، بخلاف حرمة الصلاة في النجس، فإنّ القدرة المعتبرة فيها عقلية، و قد تقرر في محله أنّه عند تزاحم الواجبين في مقام الامتثال يجب تقديم ما هو مشروط بالقدرة العقلية على ما هو مشروط بالقدرة الشرعية.

هذا و لكن قد عرفت فساد أصل المبنى و أنّ الصلاة في النجس لا تحرم إلّا تشريعا فمقتضى القاعدة هو ما ذكرناه من لزوم تكرار الصلاة في الثوبين تحصيلا للعلم بفراغ الذمة. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

و أما الجهة الثانية، و هي ما يقتضيه النص في المقام، و مقتضاه أيضا تكرار الصلاة ل‍:

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 231‌

و ان لم يتمكن إلّا من صلاة واحدة يصلّي في أحدهما (1) لا عاريا.

______________________________
حسنة صفوان بن يحيى: أنّه كتب إلى أبي الحسن عليه السّلام يسأله: «عن الرجل معه ثوبان، فأصاب أحدهما بول و لم يدر أيهما هو، و حضرت الصّلاة، و خاف فوتها، و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يصلّي فيهما جميعا»
«1».

و هي تطابق القاعدة الأولية، فخلاف ابني إدريس و سعيد اجتهاد منهما في مقابل النص و القاعدة العقلية.

و أما مرسلة الشيخ في المبسوط «2» حيث قال: «و روي أنّه يتركهما و يصلّي عاريا».

فلا يعتمد عليهما، للإرسال، و إعراض المشهور عنها.

(1) قد عرفت آنفا: أنّه لو تمكن من الصلاة في كلا الثوبين وجب الاحتياط بتكرار الصلاة فيهما، طبقا للقاعدة الأولية و الخبر المعتبر.

و أما إذا لم يتمكن إلّا من صلاة واحدة- لضيق الوقت، أو التخلف عن الرفقة و نحو ذلك من الأعذار- فهل يصلّي في أحدهما؟ أو يصلّي عاريا؟

أو يتخير بينهما؟ وجوه، أقواها أولها، لما عرفت في المسألة السابقة من لزوم تقديم الصلاة في الثوب المقطوع النجاسة على الصلاة عاريا، فمشكوك النجاسة أولى بالجواز، كما هو واضح. فالوجه في وجوب الصلاة في مشكوك النجاسة هو الأولويّة القطعيّة بالنسبة إلى الصلاة في الثوب المقطوع النجاسة- كما هو المختار في تلك المسألة- لما عرفت من أنّ شرطيّة الساتر أولى بالرعاية من مانعية النجاسة، للأخبار الدالّة عليها، و ضعف ما يعارضها. هذا مضافا‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 1082 في الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث: 1.

(2) ج 1 ص 39. طبعة المكتبة المرتضوية عام 1387 في أواخر «فصل تطهير الثياب و الأبدان من النجاسات».

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 232‌

..........

______________________________
إلى أنّ الصلاة عاريا تستلزم ترك الركوع و السجود، لزوم الإيماء لهما حينئذ- إما قائما أو قاعدا- و هما أولى بالرعاية من مانعيّة النجاسة. هذا كله بناء على لزوم تقديم الصلاة في الثوب المقطوع النجاسة على الصلاة عاريا.

و أما بناء على العكس و وجوب الصلاة عاريا عند الانحصار في مقطوع النجاسة فهل يصلّي عاريا في مفروض المقام- أعني الثوبين المشتبهين- أيضا، أو يصلّي في أحدهما، أو يتخير بين الأمرين؟

ربما يتوهم وجوب الصلاة عاريا في المقام أيضا، بدعوى: عدم تمكنه في الفرض من إيقاع الصلاة في ثوب طاهر على وجه يقطع ببراءة ذمّته فلا يتنجز عليه التكليف به، و لكنّه متمكن من إيقاع صلاته خالية عن المانع على وجه يقطع به فيجب عليه ذلك فهذا هو الوجه في لزوم الصلاة عاريا في محل الكلام.

و يندفع: بتحقق الفارق بين المسألتين، و هو عدم التمكن من الصلاة في الثوب الطاهر هناك رأسا و تمكنه منها في المقام واقعا و إن كان لا يحصل له العلم بوقوعها فيه لعدم تمييز الطاهر من النجس، ففي المقام يحتمل إدراك الشرط لو صلّى في أحدهما، بخلاف تلك المسألة لانحصار الثوب فيها في مقطوع النجاسة. و النصوص الدالة على وجوب الصلاة عاريا فيها لا تشمل المقام لاختلاف الموردين و الفارق بين المسألتين. فلا بدّ في المقام من ملاحظة ما تقتضيه القاعدة، و هي لا تقتضي إلّا الصلاة في أحد الثوبين تحصيلا للشرط المحتمل، لأنّ الموافقة الاحتمالية أولى من المخالفة القطعيّة، فإنّه لو صلّى عاريا لعلم بفقدان الساتر، بل الركوع و السجود للزوم الإيماء لهما حينئذ. و العلم بفقدانها المانع- أعني النجاسة- لا أثر له فيما لو اقترن ذلك بفقدانها الشرط، بل الجزء. لأنّ الموافقة الاحتمالية من كلتا الجهتين أولى في نظر العقل‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 233‌

..........

______________________________
من الموافقة القطعيّة من جهة و المخالفة القطعيّة من جهة أخرى.

فتحصّل: أنّه بناء على وجوب الصلاة عاريا عند انحصار الثوب في مقطوع النجاسة لا يصح التعدي منه إلى مشكوك النجاسة، بل يتعين فيه الصلاة في أحد الثوبين تحصيلا للموافقة الاحتمالية إن لم يتمكن من الاحتياط بالصلاة فيهما.

و قد يتوهم التخيير بين الأمرين- الصلاة عاريا أو في أحد الثوبين المشتبهين- بدعوى: أنّ وجوب الصلاة في أحدهما لاحتمال طهارته معارض بحرمة الصلاة فيه لاحتمال نجاسته، و مقتضى الأصل في دوران الأمر بين المحذورين هو التخيير و هذا هو الوجه في التخيير بين الأمرين.

و يندفع بما عرفت «1» من أنّ حرمة الصلاة في النجس لا تكون إلّا وضعيّة كوجوب الصلاة في الطاهر، فعليه يدور الأمر بين احتمال اقتران الصلاة بوجود الشرط و خلوها عن المانع لو صلّى في أحد المشتبهين و بين الجزم بفقدانها الشرط بل الجزء و خلوها عن المانع لو صلّى عاريا. و قد ذكرنا: أنّ الأوّل أولى في نظر العقل، لتقدم الموافقة الاحتمالية على المخالفة القطعيّة و إن اقترنت بالموافقة القطعيّة من جهة أخرى و لو سلمنا الحرمة التكليفيّة لم تجر قاعدة التخيير في خصوص المقام و إن كان من الدوران بين المحذورين لما ذكرناه «2» من أنّ القدرة المعتبرة في حرمة لبس النجس في الصلاة شرعية، بخلاف وجوب الستر فإنّ القدرة المعتبرة فيه عقليّة و هي تتقدم على الأولى عند التزاحم.

______________________________
(1) في الصفحة: 228- 229.

(2) في الصفحة: 229- 230.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 234‌

و الأحوط القضاء «1» خارج الوقت (1) في الآخر أيضا إن أمكن، و إلّا عاريا.

______________________________
(1) قد تقدم آنفا: إنّ وظيفة الواجد للثوبين المشتبهين مع التمكن هي الاحتياط بتكرار الصلاة في الوقت، و مع عدمه يصلّي في أحدهما تحصيلا للموافقة الاحتمالية عند تعذر الموافقة القطعيّة. و هل يجب عليه حينئذ القضاء خارج الوقت أيضا في الثوب الآخر إن أمكن و إلّا فيصلّي عاريا كما في المتن، أوّلا؟

ربما يتوهم ذلك. بدعوى: أنّ مقتضى العلم الإجمالي بطهارة أحد الثوبين- مع فرض عدم التمكن من الاحتياط في الوقت- هو الاحتياط بالصلاة في أحدهما في الوقت و في الآخر خارج الوقت، تحصيلا للموافقة القطعية بهذا الوجه، للعلم الإجمالي بوجوب إحدى الصلاتين عليه. و إن شئت فقل: إنّه مع الصلاة في أحدهما في الوقت لا يحرز امتثال الواجب لاحتمال وقوع الصلاة في النجس، فيجب الاحتياط بالقضاء خارج الوقت.

و يندفع: بأنّ القضاء حيث كان بأمر جديد، و موضوعه فوت الفريضة في الوقت، فلا بدّ من إحرازه. و استصحاب عدم الإتيان بالواجب في الوقت لا يثبته. بل يمكن دعوى عدم صدق الفوت مع فرض عمل المكلف بما هو وظيفته في الوقت كالصلاة في أحد الثوبين مع عدم التمكن من الاحتياط، و مع الشك في الصدق لا يمكن إثباته بالاستصحاب المذكور. و الحاصل: أنّ الأمر الأداء ساقط، بخروج وقته أو امتثاله. و الأمر القضائي لم يثبت موضوعه، بل الثابت عدمه، فلا احتياط في القضاء إلّا استحبابا و لو‌

______________________________
(1) و في تعليقته- دام ظله- على قول المصنف «قده» «و الأحوط القضاء»: (و إن كان الأظهر عدم وجوبه في الفرض. و على تقدير وجوبه لا تصل النوبة إلى الصلاة عاريا إلّا مع لزوم التعجيل في القضاء).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 235‌

[ (مسألة 6): إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر]

(مسألة 6): إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر لا يجوز أنّ يصلّي فيهما «1» بالتكرار (1) بل يصلي فيه. نعم لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكررا.

______________________________
سلم وجوبه لزم الصلاة في الثوب الآخر الذي هو طرف للعلم الإجمالي، لحصول العلم بصحة إحدى الصلاتين حينئذ بوقوعها في الثوب الطاهر. هذا إذا أمكن ذلك و أما مع فرض عدم الإمكان فلا بدّ من تأخير القضاء إلى أن يتمكن من الثوب الطاهر لسعة وقته. و أما ما في المتن من الصلاة عاريا حينئذ فلم نعرف له وجها صحيحا، إلّا الالتزام بالمضايقة و القول بوجوب فوريّة القضاء، إذ عليه تجب المبادرة إلى الصلاة عاريا. إلّا أنّ المبنى ضعيف، و لا يلتزم به المصنف «قده» أيضا
«2» بل يقول بالمواسعة ما دام العمر إذا لم ينجر ذلك إلى المسامحة.

(1) يبتني ذلك على عدم جواز الاحتياط في العبادة إذا استلزم التكرار مع التمكن من الامتثال التفصيلي. و لكن قد حققنا في الأصول جواز ذلك، و أشرنا إليه في بعض «3» فروع التقليد. لأنّ عمدة الوجه للمنع هو عدم الجزم بالنيّة، و التمييز في الاحتياط. و لا دليل على اعتبارهما- عقلا، أو نقلا- سوى الشهرة بين القدماء، إذ لا دليل على اعتبار ما سوى قصد القربة في العبادة في قبال غيرها من الواجبات و يكفي في تحققها مجرد الإضافة إلى المولى تعالى و لو برجاء المطلوبيّة، المتحقق ذلك في كل من طرفي العلم‌

______________________________
(1) و في تعليقته دام ظله- على قول المصنف «قده» «لا يجوز أن يصلي فيهما»-: (على الأحوط، و الأظهر جوازها) و الوجه فيه جواز الاحتياط في العبادة و إن استلزم التكرار.

(2) لاحظ (مسألة 27) من فصل صلاة القضاء من الكتاب.

(3) لاحظ ما حررناه في ذيل (مسألة 2) من فروع التقليد ص 35 و ذيل (مسألة 4) ص 40 منه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 236‌

[ (مسألة 7): إذا كان أطراف الشبهة ثلاثة]

(مسألة 7): إذا كان أطراف الشبهة ثلاثة، يكفي تكرار الصلاة في اثنين. سواء علم بنجاسة واحد و بطهارة الاثنين، أو علم بنجاسة واحد و شك في نجاسة الآخرين، أو في نجاسة أحدهما. لأنّ الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة و إن لم يكن مميزا. و إنّ علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار بإتيان الثلاث. و إن علم بنجاسة الاثنين في أربع يكفي الثلاث. و المعيار- كما تقدم سابقا- التكرار إلى حد يعلم وقوع أحدها في الطاهر (1).

[ (مسألة 8): إذا كان كل من بدنه و ثوبه نجسا]

(مسألة 8): إذا كان كل من بدنه و ثوبه نجسا، و لم يكن له من الماء إلّا ما يكفي أحدهما، فلا يبعد التخيير (2).

______________________________
الإجمالي. فلو فرض عدم وجود غرض عقلائي في ترك الصلاة في الثوب الطاهر جاز تكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين، لأنّ المعتبر في الصحة قصد القربة، و أما الخصوصيّات الفردية فاختيارها بيد المكلف و إن لم يكن فيها غرض عقلائي أو شرعي. نعم الأحوط استحبابا ترك الاحتياط بالتكرار مع الإمكان، خروجا عن خلاف المانعين.

(1) الوجه في ذلك كله ظاهر، لعدم إحراز الصلاة في الثوب الطاهر إلّا بإضافة عدد واحد على مقدار المعلوم بالإجمال.

(2) أشار المصنف «قده» في هذه المسألة إلى أمور ثلاثة:

الأوّل: إنّه إذا كان كل من بدنه و ثوبه نجسا، و لم يكن له من الماء إلّا ما يكفي لأحدهما يتخير في غسل أيهما شاء.

الثاني: أنّ الأحوط في هذا الحال تطهير البدن.

الثالث: إنّه لو كان أحدهما أكثر أو أشدّ يرجّح على الآخر. و الظاهر أنّ الاحتياط بتطهير البدن، و كذا الترجيح بالأشديّة و الأكثرية، كلها مبنيّة على الترجيح بالأهميّة أو احتمالها عند التزاحم و عدم إمكان الجمع بين الأمرين. فإنّ الثوب خارج عن المصلي و مغاير معه، بخلاف بدنه، فيطهّره‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 237‌

..........

______________________________
لأنّه أهم، و يصلي في الثوب النجس. كما أنّ نجاسة أحدهما لو كانت أكثر أو أشد قدّم ذلك على الآخر و لو كان في الثوب، للأهميّة أو احتمالها.

و لتوضيح الحال في المقام لا بأس ببسط الكلام في الجملة، لمعرفة الحال في جملة من الفروع الآتية هنا و في باب الصلاة. فنقول: ذهب المصنف «قده» و غيره من الأعلام- بل هو المشهور بينهم- إلى أنّ موارد الدوران بين أجزاء الصلاة، أو شرائطها أو موانعها أو بين جزء و شرط، أو جزء و مانع، كلها من باب التزاحم بين تكليفين لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال. فإذا لم يتمكن المكلف من الإتيان بصلاة جامعة للأجزاء و الشرائط و فاقدة للموانع، و دار أمره بين ترك أحد الجزئين، أو الشرطين، أو جزء و شرط، أو بين ترك جزء و ارتكاب مانع، و هكذا. وقع التزاحم بين حكمين. لوجوب كل من الجزئين أو الجزء و الشرط أو عدم المانع، فلا بدّ من ترجيح أحدهما بما تقرر في باب التزاحم، من الترجيح بالأهمية أو الأسبقية في الزمان و إلّا فيتخير بين ترك أيهما شاء. و على ذلك بنوا هذا الفرع و الفروع الآتية في هذا الفصل، و في كتاب الصلاة من موارد الدوران بين الأجزاء و الشرائط ففيما نحن فيه تقع المزاحمة بين رفع أحد المانعين النجاسة في الثوب أو البدن، لعدم إمكان رفعهما معا لقلة الماء فرضا، فيقدم تطهير البدن، أو ما هو أكثر نجاسة أو أشدّ، للأهميّة، هذا.

و لكن الصحيح- كما ذكرنا في الأصول في بحث الترتب- أنّ الموارد المذكورة ليست من صغريات التزاحم بل هي من صغريات التعارض بين الدليلين المتكاذبين في مرحلة الجعل، فلا بدّ من إعمال قواعده دون قواعد التزاحم.

بيان ذلك: أنّ التزاحم إنّما يكون بين حكمين استقلاليين في مرحلة‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 238‌

..........

______________________________
الفعلية بلحاظ عدم قدرة المكلف على امتثالهما معا مع صحة جعل كل منهما على موضوعه على نحو القضيّة الحقيقيّة. فالتنافي بينهما إنّما يكون في مرحلة الامتثال و فعلية الحكم- المشروطة بالقدرة عقلا، أو باقتضاء نفس الخطاب- لا في أصل الجعل مشروطا بالقدرة. و ذلك كما في وجوب إنقاذ الغريقين إذا لم يتمكن المكلف من إنقاذهما معا، و في وجوب الصلاة المزاحم بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد، فإنّ جعل كل منهما مشروطا بالقدرة لا ينافي جعل الآخر كذلك فإذا عجز المكلف عن امتثالهما معا و صرف قدرته في أحدهما تخييرا أو ترجيحا، انتفى موضوع الآخر، لعدم القدرة على امتثاله حينئذ.

و هذا بخلاف التعارض، فإنّ ملاكه التكاذب بين دليلين في مرحلة أصل الجعل لعدم صحة جعل حكمين متناقضين أو ضدين على موضوع واحد، كما إذا دل دليل على وجوب شي‌ء و دل آخر على عدم وجوبه أو حرمته. من دون فرق في ذلك بين جعلهما لموضوع واحد- كما ذكرنا- أو لموضوعين يعلم بعدم صحة الجعل في أحدهما، كما إذا دل دليل على وجوب التمام في من سافر إلى أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع ليومه، و دل آخر على وجوب القصر فيه، للعلم بعدم وجوب صلاتين في يوم واحد قصرا و تماما.

فلا يفرق الحال في التعارض بين قدرة العبد على امتثالهما معا- كما في القصر و التمام- و بين عدمها، كما في جعل الحكمين المتناقضين لموضوع واحد كما أنّه لا يفرق الحال فيه بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها أو في أنفسها- كما ذهب إليه العدليّة- و عدمها. إذا العبرة في التعارض بالتكاذب في مرحلة الجعل، كما ذكرنا.

فما ذكره في الكفاية من أنّ الفارق بين البابين- التعارض و التزاحم-

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 239‌

..........

______________________________
هو وجود الملاك في أحد الحكمين دون الآخر في الأوّل، و وجوده فيهما معا في الثاني، غير صحيح. إذا لا علم بملاكات الأحكام إلّا مع وجود دليل معتبر على الحكم غير مبتلى بالمعارض، فإذا وقع التنافي بين الدليلين انعدم السبيل إلى إحراز الملاك حتّى في أحدهما، لاحتمال عدم صحتهما معا. بل الفارق بين البابين هو التنافي في مرحلة الجعل في الأوّل، و في مرحلة الامتثال في الثاني.

ثمّ أنّه تفترق قواعد التزاحم عن قواعد التعارض بالكلية، ففي التزاحم لا بدّ- أوّلا- من ملاحظة ما هو أهم الحكمين أو محتمل الأهمية فيقدم على الآخر، و إلّا فيتخير بين امتثال أيهما شاء، لتماميّة الملاك في كل منهما. و في التعارض لا بدّ- أوّلا- من الجمع بين الدليلين جمعا عرفيا، فيقدم ما كان دليله لفظيا على ما كان دليله الإجماع و نحوه، للزوم الاقتصار على المتيقن من الأدلة اللبيّة و لزوم الأخذ بإطلاق أو عموم الأدلة اللفظيّة. و إذا كان كلاهما لفظيّا فيقدم العموم على الإطلاق لصلاحيّة الأوّل للقرينيّة على الثاني دون العكس. و مع تساويهما في الإطلاق أو العموم يرجع إلى الأصل العملي، لتساقطهما بالمعارضة إن لم يرجع إلى المرجحات السندية، و إلّا فهي المرجع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ التزاحم لا يتحقق إلّا في التكاليف الاستقلاليّة كالأمثلة المتقدمة، و أما التكاليف الضمنيّة المتعلقة بأجزاء المركب و شرائطها الوجودية أو العدمية فلا يعقل فيها التزاحم. و ذلك لتعلق الأمر بالمركب الاعتباري الجامع للأجزاء و الشرائط و الفاقد للموانع، فإنّ الأمر بكل جزء من أجزاء المركب أو شرائطه يكون مقيدا بانضمام بقيّة الأجزاء و الشرائط السابقة أو اللّاحقة إليه. فالأمر بالركوع- مثلا- في الصلاة يكون مقيدا بلحوق السجود به و بسبق القراءة عليه، و هكذا بقيّة الأجزاء السابقة و اللاحقة. فمرجع الأوامر الضمنيّة أمر واحد متعلق بمجموع الأجزاء و الشرائط‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 240‌

..........

______________________________
بما هو مجموع. و مقتضى القاعدة في ذلك أنّه إذا عجز المكلف عن بعض الأجزاء، أو الشرائط الوجودية أو العدميّة سقط التكليف بالمركب، لانتفائه بانتفاء بعض أجزائه، لأنّ المفروض عدم القدرة على المجموع بما هو مجموع.

نعم قام الدليل- من الإجماع، و الضرورة، و دل النص أيضا- على أنّ الصلاة لا تسقط بحال و النص «1» و إن ورد في خصوص المستحاضة، حيث دل على أنّها «لا تدع الصلاة على حال» معلّلا بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: «الصلاة عماد دينكم» إلّا أنّه من المقطوع به عدم خصوصيّة للمورد، و إنّ عدم السقوط يعم جميع المكلفين. و حينئذ يحصل العلم الإجمالي بوجوب صلاة فاقدة لهذا الجزء أو ذاك، أو فاقدة لجزء أو شرط، و هكذا. لأنّ المفروض عدم تمكنه من إتيان صلاة جامعة للأجزاء و الشرائط و فاقدة للموانع. فلو دار أمره بين ترك الطمأنينة أو الاستقبال- مثلا- لعدم تمكنه من الجمع بينهما، يعلم إجمالا بوجوب صلاة، إما إلى القبلة فاقدة للطمأنينة، أو العكس أي فاقدة للطمأنينة مع وجود الاستقبال. و هذا هو معنى التعارض و التكاذب بين الدليلين، كما ذكرنا. فلا بدّ حينئذ من إعمال قواعد التعارض التي تقدمت الإشارة إليها آنفا «2» فإنّ أمكن الجمع العرفي بين الدليلين بأحد الوجوه المتقدمة فهو، و إلّا- كما إذا كان التعارض على وجه الإطلاق أو العموم في كل من الطرفين- لزم الرجوع- بعد تساقطهما بالمعارضة- إلى الأصل العملي. و مقتضاه التخيير، حيث أنّ الأمر دائر بين التخيير و التعيين في كل من من المحتملين، فيرجع إلى البراءة من التعيين، فيتخير.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 604 في الباب 1 من أبواب الاستحاضة، الحديث: 5.

(2) في الصفحة: 238- 239.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 241‌

..........

______________________________
فظهر مما ذكرناه: أنّه لو دار الأمر بين تطهير الثوب أو البدن- كما هو مفروض المسألة- كان مقتضى القاعدة هو التخيير، و إن احتمل أهميّة البدن.

إذ ليس المقام مقام الترجيح بالأهميّة، لأنّ الترجيح بها إنّما يتم في باب التزاحم الذي صح فيه جعل كلا الحكمين على نحو القضيّة الحقيقية، و المقام من مصاديق التعارض، للشك في أنّ المجعول هذا أو ذاك، و لا مجال للترجيح بالأهميّة فيه. نعم لا بدّ من تقديم الأكثر نجاسة، كما يأتي وجهه.

كما ظهر فساد قياس المقام بالمسألة السابقة، أعني ما إذا انحصر ثوبه في النجس و دار أمره بين الصلاة فيه أو عاريا فبناء على القول بوجوب الصلاة عاريا في تلك المسألة لا بدّ من القول بها في المقام أيضا. بدعوى: أنّه إذا طهّر بدنه و صلّى عاريا لم يصلّ مع النجاسة، بخلاف ما لو طهّر الثوب و صلّى فيه لأنّه صلّى و بدنه نجس قطعا، و المفروض لزوم تقديم مانعيّة النجاسة على الستر.

وجه الفساد: أنّ القول بوجوب الصلاة عاريا في تلك المسألة مبني على النص الخاص الوارد هناك دون المقام، فلا مجال لقياس دوران الأمر بين أصل الساتر و مانعيّة النجاسة- الذي هو مورد النص- بالدوران بين مانعيّة النجاسة في كل من الساتر و البدن. فمن الجائز الالتزام بالصلاة عاريا في تلك المسألة للنص الخاص، و بالتخيير فيما نحن فيه عملا بمقتضى القاعدة- كما ذكرنا- لعدم نص فيه فالمقام أجنبي عن تلك المسألة بالمرة. نعم لو كانت النجاسة في أحدهما أكثر لزم تطهيره، لانحلال مانعيّة النجاسة في كل من الثوب و البدن إلى أفراد متعددة، فلا بدّ من رفعها مهما أمكن، كما يأتي توضيحه.

ثم أنّه لو سلم أنّ الفارق بين التزاحم و التعارض هو وجود الملاك في كلا الحكمين في الأوّل و في أحدهما دون الآخر في الثاني- كما ذهب إليه‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 242‌

..........

______________________________
صاحب الكفاية «قده»- كان موارد الدوران بين قيود الصلاة من صغريات التعارض أيضا لا التزاحم. و ذلك لأنّ المحتملات- في موارد دوران ترك أحد الجزئين، أو الشرطين، أو جزء و شرط، و غير ذلك- ثلاثة لا رابع لها، إما وجود الملاك في كليهما، أو في أحدهما أو لا في هذا و لا ذاك. لا سبيل إلى الأوّل و الأخير، أما الأوّل فلان مقتضاه سقوط التكليف بالصلاة حينئذ، لعدم تمكن المكلف من إتيانهما معا، و المفروض تأثير كل منهما في الصحة و هذا خلاف العلم بعدم سقوط الصلاة بحال. و أما الأخير، فإنّ مقتضاه صحة الصلاة مع تركهما معا، و هذا خلاف العلم الإجمالي بوجوبها مقيدة بهذا أو ذاك، لأنّ عدم القدرة على الجمع بينهما لا يقتضي سقوط كليهما جزما. فيتعين أنّ يكون الملاك في أحدهما لا محالة، و هذا هو ميزان التعارض عنده «قده».

و النتيجة أنّه لا فرق بين المسلكين في اندراج موارد الدوران في قيود الصلاة تحت كبرى التعارض دون التزاحم.

و من الغريب ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ «قده» في بحث الترتب «1» من أنّ موارد الدوران في قيود الصلاة من مصاديق التزاحم، فلا بدّ فيها من إعمال قواعده، من الترجيح بالأهميّة أو الأسبقية في الزمان و نحو ذلك. مع أنّه «قده» هو الذي أوضح الفرق بين البابين- أعني بابي التزاحم و التعارض- و شيّد أركانه، و أتى بما لا مزيد عليه حتّى أنّه أورد على القائل بأنّ الأصل عند الشك هو التعارض أو التزاحم: بأنّ هذا ناشى‌ء من الخلط بين البابين، إذ لا جامع بينهما. و هو يشبه القول: بأنّ الأصل في الأشياء هل هي الطهارة أو البطلان في البيع الفضولي، فإنّ الفرق بين البابين‌

______________________________
(1) لاحظ أجود التقريرات الصفحة: 281- 283.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 243‌

..........

______________________________
كبعد المشرقين فكيف يمكن إمكان تصادقهما على مورد واحد ليكون أحدهما هو الأصل دون الآخر؟ فإنّ باب التعارض يفترق عن باب التزاحم، في مورد التصادم، و في الحاكم بالترجيح أو التخيير، و في جهة التقديم، و في كيفيته
«1». هذا و مع ذلك كله فقد جائت دعواه كون موارد الدوران في قيود الصلاة من مصاديق التزاحم غريبة جدا لما عرفت من أنّ الصحيح هو كونها من مصاديق التعارض دون التزاحم.

ثم إنّه «قده» ناقض حاشيته على المتن في مسألة واحدة، و هي فيما لو دار الأمر بين الصلاة قائما موميا للركوع و السجود، و بين الصلاة جالسا مع الركوع و السجود، لضيق المكانين كل من جهة. فإنّ المصنف «قده» قد تعرض لهذه المسألة في موردين أحدهما في فصل مكان المصلي «2»، و الثاني في فصل القيام للصلاة «3». و التزم- في كلا الموردين- بتكرار الصلاة في سعة الوقت، و بالتخيير بين الأمرين في الضيق. و لكنّ الأستاذ «قده» رجّح في بحث المكان الصلاة جالسا مع الركوع و السجود في صورة الضيق بلحاظ اهميّتهما، حيث قال: «لا يبعد تعين الثاني» و في بحث القيام رجّح الصلاة قائما موميا لهما، تقديما للأسبق زمانا لسبق القيام عليهما، و قال: «الأحوط أن يختار الأوّل». و هذا من التناقض الواضح. و الصحيح- كما أشرنا في تعليقتنا على المتن «4» هناك- أنّ مقتضى القاعدة هو التخيير مطلقا، سواء في سعة‌

______________________________
(1) لاحظ أجود التقريرات الصفحة: 270- 281.

(2) في الأمر السادس من شروط مكان المصلي من كتاب الصلاة.

(3) في (مسألة 17) من مسائل فصل القيام من كتاب الصلاة.

(4) لاحظها في ذيل الأمر السادس من شروط مكان المصلي من كتاب الصلاة، فإنّه- دام ظله- قد أتى بما يوضح المراد.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 244‌

و الأحوط تطهير البدن (1).

و إن كانت نجاسة أحدهما أكثر أو أشد لا يبعد ترجيحه «1» (2).

______________________________
الوقت أو الضيق، لسقوط الأدلة اللفظيّة بالمعارضة، فتصل النوبة إلى الأصل العملي و مقتضاه التخيير، لدوران الأمر- في الفرض و نحوه- بين التخيير و تعيين كل من المحتملين، فيرجع إلى أصالة البراءة عن تعيين كل منهما، فيتخير. و لا موجب للاحتياط بالجمع حتّى في سعة الوقت.

فتحصل من جميع ما ذكرناه إلى هنا: أنّ موارد الدوران في قيود الصلاة من مصاديق التعارض لا التزاحم. و هذه قاعدة تبتني عليها فروع كثيرة، تأتي هنا و في باب الصلاة إن شاء اللّه تعالى.

(1) قد أشرنا إلى أنّ الوجه في تقديم تطهير البدن، هو احتمال أهميّته بالنسبة إلى الثوب، لعدم خروجه عن ذات المصلّى، بخلاف الثوب، فإنّه خارج عنه. هذا، و لكن قد عرفت أنّه لا مجال للتقديم بالأهمية أو احتمالها في موارد الدوران بين قيود الصلاة التي منها المقام، لأنّها من باب التعارض لا التزاحم، و الترجيح بالأهميّة إنّما يتم في الثاني دون الأوّل.

كما أنّه قد عرفت أنّه لا مجال لدعوى وجوب تطهير البدن و الصلاة عاريا- بناء على القول بها في مسألة انحصار الثوب في النجس- للنص الخاص في تلك المسألة، بخلاف المقام. فلا بدّ فيه من مراعاة ما تقتضيه القاعدة. و مقتضاها التخيير، كما ذكرنا، فراجع ما تقدم «2».

(2) بل الأظهر هو لزوم الترجيح بالأكثريّة دون الأشديّة فيتخير فيها دونها و لا بدّ من بيان الفرق بينهما، فنقول: النواهي الاستقلالية المتعلقة‌

______________________________
(1) و في تعليقته- دام ظله- على قول المصنف «قده» «لا يبعد ترجيحه»-: (بل هو الأظهر عند كون أحدهما أكثر).

(2) في الصفحة: 238- 240.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 245‌

..........

______________________________
بالطبائع تكون على نحوين، أحدهما: النهي الناشئ عن المفسدة القائمة بصرف الوجود، بحيث لو وجد فرد منها في الخارج- عصيانا، أو غفلة و نحو ذلك- لأخل بالغرض الداعي إلى النهي و تحققت المفسدة، بحيث أنّه لا يترتب على الوجودات المتأخرة- كالفرد الثاني و الثالث و هكذا- مفسدة زائدة، فلا محالة يسقط النهي بالفرد الأوّل. و يعبّر عن هذا النوع: بأنّ المراد هو خلوّ صفحة الوجود عن المنهيّ عنه، و ذلك كما إذا نهي المولى عبده عن أنّ يدخل عليه أحدا، لاشتغاله بالمطالعة- مثلا- فإذا أدخل عليه أحدا أو دخل على المولى بغير اختياره فقد فات بذلك غرضه، و هو خلو الدار عن أي إنسان.

فلا أثر بعد ذلك للفرد الثاني و الثالث حينئذ، إذ وجود بقية الأفراد و عدمها سيان من هذه الجهة، لفوات الغرض بأوّل الوجودات.

ثانيهما: النهي الناشئ عن ترتب المفسدة على مطلق الوجود، لترتبها على كل فرد من أفراد الطبيعة. فالنهي عن الطبيعة و إن كان واحدا صورة إلّا أنّه ينحل إلى نواهي متعددة بعدد أفراد الطبيعة. و ذلك كالنهي عن شرب الخمر، و الكذب، و الغيبة، و أغلب المحرمات، فإنّ في كل فرد من أفراد هذه الطبائع مفسدة مستقلة لا ترتبط بما هي في الفرد الآخر، فيكون متعلقا للنهي، و يتحقق المعصية بالإتيان بكل فرد منها. و هذا القسم هو الظاهر من النواهي، بمقتضى الفهم العرفي. و إرادة القسم الأوّل منها تحتاج إلى القرينة.

هذا في النواهي الاستقلاليّة.

و كذلك الحال في النواهي الضمنية في باب المركبات الشرعية كالصلاة و نحوها، التي هي إرشاد إلى مانعيّة المنهي فإنّ النهي عن لبس غير المأكول أو المغصوب أو النجس و نحو ذلك في الصلاة قد يفرض على نحو صرف الوجود و أخرى على نحو مطلق الوجود. و لكن الثاني هو مقتضى‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 246‌

..........

______________________________
الفهم العرفي، فيدل على مانعيّة كلّ فرد فرد من أفراد الطبيعة.

فإذا اضطر إلى لبس ثوب نجس لا يجوز له لبس ثوب آخر نجس بتوهم: أنّ المانع إنّما هو صرف الوجود و قد تحقق ذلك بالفرد الأوّل، فلا مانعيّة للفرد الثاني لأنّ المانعيّة انحلاليّة بعدد مصاديق النجس، فلا يجوز له ارتكاب ما زاد على مقدار الاضطرار.

فعليه إذا تنجس ثوبه و بدنه، و لم يكن عنده من الماء ما يكفي لتطهير كليهما و كان يكفي لأحدهما، تخيّر في غسل أيهما شاء و إن احتمل أهميّة البدن، بناء على ما ذكرناه من عدم ترتب الأثر على احتمال الأهميّة في باب التعارض، الذي هو المرجع في دوران الأمر بين قيود الصلاة.

و أما إذا كان أحدهما أكثر من الآخر- كما إذا تنجس بدنه بمقدار درهم واحد، و تنجس ثوبه بمقدار درهمين- تعيّن- غسل الثاني، لما ذكرناه من الانحلال فإنّه لا يضطر إلى أكثر من الصلاة في مقدار درهم واحد من النجس، و الزائد مانع مستقل يجب رفعه، سواء أ كان في البدن أو الثوب. و من هنا لو أمكنه غسل مقدار درهم من ثوبه و الدرهم الذي في بدنه كان له ذلك، لأنّه لا فرق في بقاء الدرهم النجس بين الثوب و البدن.

ثم أنّه لا فرق في الأكثريّة بين أن تكون من قبيل الوجودات المتعددة خارجا، كما إذا تنجس مواضع من ثوبه أو بدنه، أو تكون على نحو وجود واحد متصل، كما إذا تنجس ثوبه بالدم بمقدار شبر متصلا، و كان على بدنه دم بمقدار درهم، فإنّه يتعين عليه حينئذ غسل الأكثر أيضا، لانحلال النهي بعدد ما يمكن أنّ يفرض لهذا المتصل الواحد من الأجزاء و لو كان ذلك بلحاظ خيوط الثوب، دون ما لا يساعده النظر العرفي في باب التعدد فلا محالة تكون المانعية فيه أكثر بعدد الخيوط المفروضة في الثوب.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 247‌

[ (مسألة 9): إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه و لم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب]

(مسألة 9): إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه و لم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب (1)، و يتخير، إلّا مع الدوران بين الأقل و الأكثر، أو بين الأخف و الأشد، أو بين متحد العنوان و متعددة، فيتعين الثاني في الجميع.

______________________________
و أما إذا كان أحدهما أشدّ، كما إذا تنجس الثوب- مثلا- بالبول، و تنجس البدن بالدم، و قلنا بأشدّية نجاسة البول فقد رجح المصنف «قده» غسل الأشد كالأكثر.

و فيه: أنّه لا أثر للأشدّية في المانعيّة، فإنّ النجاسة و إن كانت أشدّ، إلّا أنّ المانع إنّما هو جامع النجاسة المشترك بين الفردين الخفيف و الشديد، و لا انحلال للنهي باعتبار الأشد، لأنّه وجود واحد ذو مرتبة شديدة في مقابل الوجود الضعيف. و هذا نظير ما إذا اضطر الإنسان إلى التكلم في الصلاة، فإنّه لا فرق حينئذ بين التكلم بصوت عال أو صوت ضعيف، لأنّ الصوت بما هو صوت يكون مانعا و لا أثر لرفع الصوت و خفضه في ذلك أصلا. نعم يتم ما ذكره على مبنى التزاحم في أمثال المقام الّذي بني عليه المشهور و منهم المصنف «قده». و لكن قد عرفت فساد المبنى بما لا مزيد عليه. و من هنا فصّلنا في تعليقتنا «1» على المتن بين الأكثرية و الأشدّية، حيث قلنا بلزوم تطهير الأوّل دون الثاني.

(1) الفرق بين فرض هذه المسألة و سابقتها هو: أنّ المفروض هنا نجاسة موضعين من بدنه أو ثوبه، و في تلك كان المفروض هو نجاسة البدن و الثوب. و لا فرق بين الفرضين، لانحلال المانعيّة على كل تقدير، فلا يسقط الوجوب عما لا يضطر إليه كما سبق.

ثمّ إنّه التزم بالتخيير، إلّا مع الدوران بين الأقل و الأكثر، أو بين‌

______________________________
(1) المتقدمة في ذيل الصفحة: 244.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 248‌

..........

______________________________
الأخف و الأشد، أو بين متحد العنوان و متعددة، فإنّه في جميع ذلك يتعيّن الثاني.

أقول: تعيين ما ذكر مبني على التزاحم، و احتمال الأهمية أو العلم بها في الأمور المذكورة.

و أما بناء على ما هو الصحيح من أنّ الدوران بين قيود الصلاة من مصاديق التعارض- كما عرفت في المسألة السابقة على وجه التفصيل- فلا يتم ما أفيد في الأخف و الأشدّ، لتحقق المانعيّة بمجرد النجاسة و لا أثر للأشديّة. و إن تم في الأقل و الأكثر، لانحلال المانع إلى أفراد عديدة، و لا اضطرار إلى المقدار الزائد.

و أما تعدد العنوان، فإنّ كان مراده تعدد المانع- كما إذا اجتمع عنوانان من العناوين المانعة على شي‌ء واحد، كما إذا تنجس موضع من بدنه بدم غير المأكول كدم الهرة، فإنّ عنوان غير المأكول مانع مستقل غير عنوان النجاسة، إلّا أنّهما اجتمعا في دم الهرة. و تنجس الموضع الآخر بدم المأكول كدم الشاة، إذ ليس فيه إلّا جهة مانعيّة النجس- صح ما ذكره «قده». للزوم غسل الأوّل، لعدم الاضطرار إلى الصلاة في غير المأكول فيجب رفعه، و إنّما اضطر إلى لبس النجس المشترك بين الدّمين فيكون المقام نظير الدوران بين الأقل و الأكثر، فلو صلّى في دم غير المأكول بطلت صلاته، فإنّ الضرورات إنّما تتقدر بقدرها. و إن كان مراده صدق أكثر من عنوان من عناوين النجاسات على شي‌ء واحد- كما إذا تنجس موضع من بدنه بماء متنجس بعدة نجاسات كالبول و الدم و العذرة و نحو ذلك، فإنّه يصدق عليه أنّه متنجس بالبول، كما يصدق عليه أنّه متنجس بالدّم، و هكذا. و تنجس موضع آخر من بدنه بماء متنجس بالدم فقط، أو تنجس موضع من بدنه بالدم و البول‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 249‌

بل إذا كان موضع النجس واحدا و أمكن تطهير بعضه لا يسقط الميسور (1).

بل إذا لم يمكن التطهير لكن أمكن إزالة العين وجبت (2).

______________________________
معا، و تنجس الموضع الآخر بالدم فقط- فلا يتم ما ذكره من لزوم الترجيح إذ لا أثر للتعدد حينئذ لما ذكرناه في النجاسة الشديدة من عدم تأثير للشدّة في المانعيّة فإنّه لا يوجب شدّة في المنع لأنّ المانع إنّما هو جامع النجاسة لا عنوان البول و الدم و العذرة و غيرها من النجاسات أو المتنجسات إلّا أن يكون هناك انحلال و لا انحلال إلّا مع تعدد الوجود و الأكثرية في المقدار الخارجي دون الشدّة نعم بناء على التزاحم في قيود الصلاة كما هو مبنى المصنف «قده» و غيره يقدم متعدد العنوان مطلقا لاحتمال الأهميّة إلّا أنّ المبنى غير صحيح كما عرفت.

(1) يصح هذا بملاك الأكثرية كما عرفت لانحلال المانعية بعدد ما يمكن أنّ يفرض لها من الأفراد- عرفا- كخيوط الثوب- مثلا- و أما وجوب تطهير البعض بملاك الأهمية فمبني على التزاحم، و قد عرفت فساد المبنى.

(2) ما ذكره «قده» من وجوب إزالة العين مبني على التزاحم في قيود الصلاة كالفروع المتقدمة.

فيجب إزالتها لدوران الأمر بين الصلاة في المتنجس مع وجود عين النجاسة و في المتنجس بدونها، فيتقدم الأوّل، أي يزال العين، للأهميّته و أما بناء على ما هو الصحيح من تحقق التعارض في أمثال المقام- كما عرفت- فلا تجب، لعدم تأثير الأهميّة أو احتمالها حينئذ، إذ يشترك المتنجس مع بقاء العين و بدونها في أصل المانعيّة و شمول الدليل لهما على حد سواء، و لا أثر لبقاء العين في المانعيّة.

نعم بناء على المنع عن حمل النجس في الصلاة- مضافا إلى اعتبار‌

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 250‌

بل إذا كانت محتاجة إلى تعدد الغسل و تمكن من غسلة واحدة فالأحوط عدم تركها لأنّها توجب خفة النجاسة (1). إلّا أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة أخرى، بأن استلزم وصول الغسالة إلى المحل الطاهر (2).

______________________________
طهارة الثوب و البدن- تجب الإزالة، لتعدد عنوان المانع حينئذ، و لا اضطرار إلّا إلى أحدهما دون الآخر، فيجب التقليل مهما أمكن. إلّا أنّه سيأتي- إن شاء اللّه تعالى- الإشكال في ذلك.

(1) التعليل بذلك مبني على ما جرى عليه المصنف «قده» في هذه الفروع من التزاحم عند الدوران في قيود الصلاة و يقدّم الأهم، فيجب تخفيف النجاسة مهما أمكن- و لو بغسلة واحدة- فيما يعتبر فيه التعدد كالمتنجس بالبول.

و أما بناء على ما سلكناه من التعارض فلا تجب، حيث أنّه لا مسرح للأهميّة في هذا المجال.

(2) الاحتياط بغسلة واحدة فيما يعتبر فيه التعدد إنّما يتم لو لم يستلزم تكثير النجاسة، كما إذا تنجس أطراف أصابعه بحيث لو صب عليها الماء انفصلت الغسالة من أطرافها بسرعة أو كان جميع الثوب نجسا و غسله بالماء مرة واحدة.

و أما إذا فرضنا وصول الغسالة النجاسة إلى المحل الطاهر فلا يجوز- جزما- لتكثير النجاسة حينئذ، و انحلال المانعية. و دعوى: اعتبار انفصال الغسالة عن المحل في نجاستها، فلا تكون نجسة قبله كي تستلزم تكثير النجاسة، إذ هي في المحل طاهرة غير مسموعة، لأنّ الغسالة ماء قليل تتنجس بملاقاة النجس، فهي نجسة قبل الانفصال أيضا، و لا يحتمل أنّ يكون انفصالها موجبا للحكم بنجاستها. نعم الغسالة المتعقبة بطهارة المحل مما لا يحكم بنجاستها، سواء قبل الانفصال أو بعده، كما ذكرناه في محلّه.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 251‌

[ (مسألة 10): إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلّا لرفع الحدث أو لرفع الخبث]

(مسألة 10): إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلّا لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن، تعين رفع الخبث، و يتيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل (1).

______________________________
(1)
دوران الأمر بين الطهارة الحدثية و الخبثية إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلّا لرفع الحدث أو الخبث، تعين رفع الخبث، و يتيمم للصلاة على المشهور و المعروف بين الأصحاب.

و الوجه في ذلك- على ما صرّحوا به، و منهم شيخنا الأستاذ «قده» كما أوضحه في بحث الترتب-: أنّ القدرة المعتبرة في الطهارة الحدثية إنّما هي قدرة شرعية، بمعنى اعتبار عدم وجود ما يزاحمها في وجوبها. فلو كان هناك واجب آخر لا يمكن الجمع بينه و بين الطهارة المائية في الامتثال سقط وجوبها و انتقل إلى التيمم.

و يدل على ذلك- مضافا إلى ما يستفاد من الروايات- الآية الكريمة وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ.*

فإنّ ذكر المريض عدلا للمسافر دال على أنّ المراد من عدم الوجدان عدم التمكن من استعمال الماء- و لو لمرض و نحوه- لا عدم الوجود الخارجي، لأنّ المريض لا يكون فاقدا للماء غالبا، بخلاف المسافر الّذي قد يفقد الماء، أو يكون الغالب فيه ذلك. لا سيما بالنسبة إلى الأزمنة السابقة لمن يقطع الفيافي و القفار فوجوب الغسل أو الوضوء مشروط بعدم واجب آخر يزاحمهما. و هذا بخلاف وجوب رفع الخبث، فإنّ مقتضى إطلاق أدلته وجوبه على كلّ تقدير، سواء أ كان هناك واجب آخر أم لا، فتكون القدرة المعتبرة فيه عقلية.

و قد حقق في محله: تقديم ما يعتبر فيه القدرة العقليّة على ما يعتبر فيه القدرة شرعا، لارتفاع موضوعه بذلك. ففي المقام يجب رفع الخبث بالماء، و يتيمم للصلاة بدلا عن الطهارة المائية. و على ذلك بنوا فروعا كثيرة، منها هذا الفرع.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 252‌

..........

______________________________
أقول: أما أصل الفرع فينبغي تقييده بما إذا لم يتمكن من صرف الماء في الغسل أو الوضوء و جمع الغسالة في إناء ثمّ رفع الخبث بها و إلّا تعين ذلك
«1»، للقدرة على رفعهما معا حينئذ فيجب. و لعلّ هذا الاستدراك مستدرك بعد كون المفروض هو عدم كفاية الماء إلّا لأحدهما.

و كيف كان فيردّ الوجه المذكور أوّلا: ما عرفت «2» من أنّ المقام و أمثاله- من موارد الدوران في قيود الصلاة- من مصاديق التعارض لا التزاحم، فإنّه- بعد سقوط الأمر بالصلاة المقترنة بالطهارتين الحدثية و الخبثية- يعلم إجمالا بوجوب إحدى الصلاتين، أما الصلاة مع الطهارة المائية فاقدة للطهارة الخبثية، فيصلّي مع الوضوء أو الغسل مع نجاسة بدنه أو ثوبه. و إما الصلاة مع الطهارة الخبثية متيمما، فيطهّر بدنه أو ثوبه بالماء و يتيمم للصلاة. لعدم سقوط الصلاة بحال فإذا لم يتمكن من الصلاة الجامعة للقيود المعتبرة فيها يتنزل إلى المراتب المتأخرة فيعلم إجمالا بوجوب الصلاة الفاقدة لهذا القيد أو ذاك. و مقتضى القاعدة حينئذ التخيير، لأصالة البراءة عن تعيين كلّ منهما. و لا أثر للمرجح المزبور في هذا الباب، لعدم العلم إلّا بإنشاء أحد التكليفين، و وجود البدل أو اعتبار القدرة العقلية في أحدهما دون الآخر مما لا أثر له حينئذ.

و ثانيا: لو سلّمنا كون المقام من صغريات التزاحم كان مقتضى القاعدة التخيير أيضا و لا أثر للمرجح المذكور. و ذلك: لأنّ القدرة المعتبرة‌

______________________________
(1) كما أشار إلى ذلك في تعليقته دام ظله- على قول المصنف «قده»: «تعين رفع الخبث»- بقوله: (على الأحوط. و لو تمكن من جمع غسالة الوضوء أو الغسل- في إناء و نحوه- و رفع الخبث به تعين ذلك).

(2) في الصفحة: 237- 244.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 253‌

..........

______________________________
في رفع الخبث أيضا شرعيّة، فإنّ الأمر بإزالة النجاسة للصلاة ليس أمرا استقلاليا لعدم وجوبها نفسيّا، جزما. كما هو الحال في الأمر بالوضوء أو الغسل للصلاة، فإنّ الأمر بجميع قيود الصلاة يكون إرشاد إلى اعتبار القيد فيها سواء في ذلك الطهارة الخبثية و الحدثية و غيرهما من الشرائط أو الأجزاء. فالأمر الاستقلالي إنّما يتعلق بالصلاة المشروطة بطهارة خبثية. و هو أيضا مشروط بالقدرة عليها، لأنّه مع عدم التمكن منها تجب الصلاة عاريا- كما هو المشهور- أو في النجس على المختار كما سبق
«1».

و على الجملة: إنّ الأمر بالصلاة عن طهارة مائية كما هو مشروط بالقدرة، إذ مع عدمها ينتقل إلى البدل فتجب الصلاة مع التيمم، كذلك الأمر بالصلاة عن طهارة خبثية يكون مشروطا بالقدرة أيضا، إذ مع عدم التمكن ينتقل إلى المرتبة النازلة فتجب الصلاة عاريا أو في النجس. فكلّ من الصلاتين لها بدل و تكون مشروطة بالقدرة عليها شرعا و الطهارة الخبثية و إن لم يكن لها بدل مستقل، إلّا أنّ الأمر بها حيث كان إرشاد إلى اشتراط الصلاة بها لزم لحاظ الأمر المتعلق بالصلاة المقترنة بها، و هي مما له البدل، و هي الصلاة عاريا أو في النجس. و مقتضى القاعدة عند تزاحم الواجبين المشروطين بالقدرة الشرعية هو التخيير أيضا. و ذلك لدخل القدرة في ملاك كلّ منهما على الفرض، و حيث أنّه لا قدرة للمكلف على كليهما فلا ملاك إلّا في أحدهما، فيكون كلّ منهما واجدا للملاك في ظرف عدم صرف القدرة في الآخر و إلّا فلا ملاك فيه، فيحكم العقل حينئذ بالتخيير في صرف القدرة في أيهما شاء و إن كان أحدهما أهم، إذ لا أثر للأهميّة فيما يعتبر القدرة في ملاكه،

______________________________
(1) في الصفحة: 225- 226.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 254‌

و الأولى أنّ يستعمل في إزالة الخبث أوّلا، ثم التيمم، ليتحقق عدم الوجدان حينه (1).

______________________________
لأنّه مع صرف القدرة فيه لا موجب له. عقلا و هذا بخلاف الواجبين المشروطين بالقدرة العقلية، فإنّه مع التزاحم يجب تقديم الأهم لعدم دخل القدرة في ملاكه، فيكون ملاكه تامّا و لو مع صرف القدرة في المهم، و لا يجوز بحكم العقل تفويت الملاك الأهم. هذا كلّه بلحاظ مقام الثبوت و أما بلحاظ مقام الإثبات فيستكشف الملاك و عدمه من إطلاق دليل الحكم و عدمه، كما أوضحنا الكلام في ذلك في بحث الترتب من الأصول.

و في المقام لا إطلاق لشي‌ء من الخطابين- أعني دليل الطهارة الحدثية و الخبثية- لوجوب الانتقال إلى البدل في كل منهما عند العجز، و هو دليل الاشتراط بالقدرة شرعا بالبيان المتقدم آنفا.

فتحصل: أنّ الأظهر- على المسلكين- هو التخيير بين صرف الماء في رفع الخبث أو تحصيل الطهارة المائيّة نعم الأحوط هو ما ذكره في المتن من تقديم الأوّل، لدوران الأمر بين التخيير- كما ذكرنا- و التعيين فيه- كما هو المعروف- و لا إشكال في حصول البراءة به على كلّ تقدير، و إن كان مقتضى الأصل عدمه. و أحوط من ذلك ما ذكر «قده» أيضا من صرف الماء أوّلا في رفع الخبث ثمّ التيمم للصلاة، لصيرورته حينئذ فاقدا للماء حقيقة و تكوينا، فيصح تيممه بلا شبهة.

(1) فإنّ الأمر باستعمال الماء في إزالة الخبث و إن كان موجبا لتحقق عدم الوجدان تشريعا، و هو كاف في سقوط الأمر بالطهارة المائيّة، إلّا أنّ امتثال الأمر المذكور باستعمال الماء في الإزالة يوجب تحقق عدم الوجدان تكوينا، فالأمر بالطهارة المائية حينئذ يكون أولى بالسقوط- كما هو واضح- فينتقل إلى التيمم.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 255‌

[ (مسألة 11): إذا صلّى مع النجاسة اضطرارا لا يجب عليه الإعادة بعد التمكن من التطهير]

(مسألة 11): إذا صلّى مع النجاسة اضطرارا لا يجب عليه الإعادة بعد التمكن من التطهير. نعم لو حصل التمكن في أثناء الصلاة استأنف في سعة الوقت (1). و الأحوط الإتمام و الإعادة.

______________________________
(1) إذا صلّى في النجس اضطرارا ثمّ تمكن من التطهير، فأما أنّ يتمكن منه بعد الصلاة، أو يتمكن منه في الأثناء. و في الثاني لا إشكال في بطلان الصلاة و وجوب الاستئناف، لأنّ الأجزاء اللاحقة تكون مشروطة بالطهارة كالأجزاء السابقة، و المفروض تمكنه من تحصيل الطهارة لها فتبطل بدونها. و حيث أنّ أجزاء الصلاة ارتباطية، يبطل الجميع ببطلان البعض. و هذا ظاهر.

و أما في الأوّل- أعني ارتفاع الاضطرار بعد الصلاة- فلا ينبغي الإشكال في الصحة و عدم وجوب الإعادة، لو كان الاضطرار إلى الصلاة في النجس لأجل التقية، لأنّ المستفاد من أخبارها صحة العمل واقعا و أنّه لا تجب الإعادة و لو علم قبل الصلاة بارتفاع التقية في الوقت، كما يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

و أما إذا كان الاضطرار من غير جهة التقية- لفقدان الماء و نحوه- فالصور فيه ثلاثة، إحداها: أن يكون عالما بارتفاع العذر في الوقت قبل الشروع في الصلاة و فيها لا يشرع البدار، فضلا عن القول بالإجزاء لو صلّى.

و ذلك لتمكنه من الصلاة مع الطهارة و لو في بعض الوقت، و المأمور به إنّما هي الصلاة الجامعة للأجزاء و الشرائط، و لا اضطرار في تركها في تمام الوقت، لا علما و لا تعبدا لأنّ المفروض العلم بارتفاعه في الأثناء. نعم إنّما يضطر إلى النجس في بعض أفراد الصلاة، و هو مما لم يتعلق به الأمر. فما اضطر إليه لم يكن مأمورا به، و ما تعلق به الأمر لم يكن مضطرا إلى تركه و عليه فلا مسوغ للبدار، فضلا عن الإجزاء لو بادر.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 256‌

..........

______________________________
الثانية: عكس الأولى، و هو أنّ يعلم ببقاء العذر إلى آخر الوقت.

الثالثة: أنّ يشك في البقاء بحيث يكون مقتضى الاستصحاب بقاءه إلى آخر الوقت. و هاتان الصورتان هما محل البحث في أمثال المقام، من حيث البدار و الإجزاء لو بادر. و الأصحّ فيهما جواز البدار، للاعتقاد ببقاء العذر، كما في الأولى و لاستصحابه إلى آخر الوقت، كما في الثانية فيجوز الدخول في الصلاة، و لو انكشف الخلاف و ارتفع العذر بعد الصلاة، فهل تجب الإعادة حينئذ أو لا؟ مقتضى القاعدة هو وجوب الإعادة، لما ذكرناه آنفا:

من تعلق الأمر الاختياري بالطبيعي القابل للانطباق على جميع الأفراد الطولية في تمام الوقت من المبدء إلى المنتهى، و مع ارتفاع العذر في الأثناء يظهر بقاء الأمر على حاله، لانكشاف تمكن المكلف من امتثاله. و الأمر بالصلاة الاضطراري إنّما كان تخيليّا، كما في الأولى. أو ظاهريا كما في الثانية. و لا يجزى شي‌ء منهما عن المأمور به الواقعي و من هنا ذكرنا في الطبعة الأولى من حاشيتنا: «أنّ الأظهر وجوب الإعادة» و لكن الأصح عدمه، لحديث: «لا تعاد.» لشموله للجاهل بالاشتراط، و هذا من مصاديقه، كما سبق «1» و سبق «2» أيضا: أنّ المراد بالطهور في المستثنى هي الطهارة الحدثية، فلا تعم الطهارة الخبثية. كما أنّه لا إجمال فيه كي يشك في شموله لها، بدعوى: سراية إجمال المستثنى إلى المستثنى منه. نعم لا بأس بالاحتياط بالإعادة، إلّا أنّها لا تجب.

______________________________
(1) في الصفحة: 141- 142.

(2) في الصفحة: 139- 140.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 257‌

[ (مسألة 12): إذا اضطر إلى السجود على محل نجس]

(مسألة 12): إذا اضطر إلى السجود على محل نجس لا يجب إعادتها بعد التمكن من الطاهر (1).

______________________________
(1)
السجود على الموضع النجس اضطرارا قد ظهر حكم هذه المسألة مما ذكرناه آنفا في المسألة السابقة، فإنّ مقتضى حديث «لا تعاد.» أيضا عدم وجوب الإعادة. و إن كانت القاعدة الأوّلية تقتضي وجوبها لكن نخرج عنها بالحديث المذكور.

هذا، و لكن ربما يقال: إنّ العمدة في دليل اعتبار طهارة مسجد الجبهة الإجماع، و القدر المتيقن منه حال الاختيار- أي الاختيار حال الصلاة لا في مجموع الوقت، بدعوى: أنّ العبرة في الاختيار و الاضطرار إنّما هي بحال الصلاة- ففي حالة الاضطرار لا دليل على اعتبار الطهارة، فيرجع إلى أصالة البراءة، فتصح الصلاة. و تكون النتيجة أنّه على تقدير القول بالبطلان في المسألة السابقة نقول بالصحة في هذه المسألة، لقصور الدليل على الاشتراط هنا.

و فيه أوّلا: أنّ الدليل على اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة لم ينحصر بالإجماع، بل يستفاد ذلك من بعض الروايات أيضا، و هي:

صحيحة حسن بن محبوب قال: «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد، أ يسجد عليه؟ فكتب إلى بخطه: «إنّ الماء و النار قد طهّراه» «1».

فإنّها تدل على مفروغية اعتبار الطهارة في ذهن السائل و ارتكازه عنده، و لذلك سئل عن السجدة على الجص الذي يوقد عليه بالعذرة و قد‌

______________________________
(1) وسائل الشيعة ج 2 ص 1099 في الباب: 81 من أبواب النجاسات الحديث: 1 و في ج 3 ص 602 في الباب: 10 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث: 1.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 258‌

..........

______________________________
قرره الإمام عليه السّلام على ارتكازه و لكن دلّه على كيفية تطهيره حيث بين عليه السّلام له أنّ الجص المذكور مما يطهر بالماء و النار، فيصحّ السجود عليه. و قد تعرضنا لهذه الرواية في بعض المباحث المتقدمة
«1» أيضا.

و الحاصل: أنّ الدليل غير منحصر بالإجماع، بل إنّ هذه الرواية يمكن عدّها من الأدلّة اللفظيّة التي لا يبعد فيها دعوى الإطلاق. لدلالة السؤال فيها على مفروغية اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة واقعا، سواء تمكن منها المصلّي أم لم يتمكن.

و ثانيا: إنّه لو كان دليله منحصرا بالإجماع لم تصح دعوى ثبوت القدر المتيقن له، لإطلاق معقد إجماعهم على الطهارة في مسجد الجبهة، كما هو الحال في اشتراطها في بدن المصلّي و لباسه. و يشهد لذلك: اتفاقهم على عدم صحة صلاة من يعلم بارتفاع الاضطرار في الوقت و سوف يتمكن من تطهير مسجد الجبهة قبل خروج الوقت. إذ لا يحتمل أن يفتي فقيه بجواز السجدة على المحل النجس مع فرض علم المصلّي بالتمكن من تطهيره في الوقت، و ليس ذلك إلّا لأجل اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة مطلقا على نحو اشتراطها في اللباس و المكان.

فتحصل: أنّه لا قصور في إطلاق دليل الاشتراط بالنسبة إلى حالتي الاضطرار و الاختيار. فإذا أخل بالشرط اعتمادا على استصحاب بقاء العذر أو الاعتقاد به ثمّ انكشف له الخلاف قبل خروج الوقت، كان مقتضى القاعدة وجوب الإعادة، كما ذكرنا في المسألة السابقة. فيحكم ببطلان الصلاة، حينئذ لإمكان دعوى عدم شمول حديث: «لا تعاد.» المورد و إن شمل فرض‌

______________________________
(1) في الصفحة: 20.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 259‌

[ (مسألة 13): إذا سجد على الموضع النجس جهلا أو نسيانا لا يجب عليه الإعادة]

(مسألة 13): إذا سجد على الموضع النجس جهلا أو نسيانا لا يجب عليه الإعادة (1) و إن كان أحوط.

______________________________
المسألة السابقة. و ذلك لأنّ السجدة- في الحديث- من الخمسة المستثناة، الّتي تعاد منها الصلاة. و السجود الباطل بسبب فقد شرطه يكون بحكم عدمه، فيمكن القول بالبطلان هنا و بالصحة في المسألة السابقة على عكس ما قيل. هذا و لكن الصحيح- كما سيمر عليك في المسألة الآتية- هو شمول الحديث المذكور للفرض، لظهور المستثنى في ترك السجدة رأسا، فلا يشمل السجدة الباطلة. و النتيجة: أنّه لا مانع من شمول حديث: «لا تعاد.» لكلتا المسألتين هذه و سابقتها، فتصح الصلاة في مورد الاضطرار إلى ترك شرط آخر فيه، كما لو اضطر إلى السجود على ما لا يصح السجود عليه، أو على موضع مرتفع عن موضع قدميه بأربعة أصابع، فصلّى صلاة اضطرارية ثمّ ارتفع الاضطرار قبل خروج الوقت، فإنّه في جميع ذلك يحكم بصحة الصلاة و عدم وجوب الإعادة، لحديث: «لا تعاد.» لأنّ الفروض المذكورة تكون من مصاديق الجاهل بالاشتراط، و قد عرفت
«1» شمول الحديث للجاهل كالناسي.

(1) السجود على الموضع النجس جهلا إذا سجد سجدة واحدة- و لو من كل ركعة- على الموضع النجس فلا إشكال- بل لا خلاف- في عدم وجوب الإعادة، إذ لا تزيد السجدة الفاقدة للشرط- كطهارة المسجد أو كونه مما يصح السجود عليه أو غيرهما من الشروط- على ترك السجدة رأسا لا عن عمد، و لا تبطل الصلاة بتركها‌

______________________________
(1) في الصفحة: 141- 142.

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 260‌

..........

______________________________
كذلك، و ذلك لحديث «لا تعاد.»
«1» فإنّ المراد بالسجود- المذكور في الحديث في جملة المستثنى- إنّما هو السجود الركني، و هما السجدتان معا، كسائر الأركان المذكورة فيه من الركوع، و الطهارة، و الوقت، و القبلة، أو للتخصيص «2» في الحديث المذكور لو كان المراد به طبيعي السجود. و كيف كان فلا يحتمل وجوب الإعادة بترك سجدة واحدة لا عن عمد و اختيار، و لو كان ذلك من جميع ركعات الصلاة فضلا عما إذا كان من ركعة واحدة.

فالاحتياط المذكور في هذه الصورة ضعيف جدا «3».

و أما إذا سجد على المحل النجس في كلتا السجدتين فوجوب الإعادة و عدمه يبتنيان على شمول حديث: «لا تعاد.» للفرض و عدمه. إذ لو كان المراد من السجود في المستثنى السجود الشرعي المأمور به ضمن الأمر بالصلاة المشروطة بأمور و منها طهارة المسجد وجبت الإعادة، لأنّه إذا سجد على النجس فقد كان تاركا للسجدة المأمور بها، و قد دل الحديث على وجوب الإعادة بتركها. و أما إذا كان المراد من السجود في الحديث ذات السجدة و طبيعيّها و لو كانت فاقدة للشرائط المعتبرة فيها- بأنّ كان المراد الإخلال بالسجدة رأسا- لم تجب الإعادة، لأنّه على الفرض قد أتى بالسجود، فيشمله المستثنى منه، و لا تجب الإعادة.

______________________________
(1) تقدم في تعليقة الصفحة: 140.

(2) لاحظ جملة من الروايات الدالة على عدم وجوب الإعادة بنسيان سجدة واحدة في (وسائل الشيعة: ج 4 ص 968 في الباب: 14 من أبواب السجود).

(3) و من هنا جاء في تعليقته دام ظله- على قول المصنف: «و إن كان أحوط»- (إذا كان السجود على الموضع النجس في سجدة واحدة من ركعة أو أكثر فالظاهر عدم وجوب الإعادة، و الاحتياط بالإعادة ضعيف جدا).

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 261‌

..........

______________________________
و الصحيح هو الثاني، أما أوّلا: فلصدق السجود عرفا و لغة على الفاقد للشرائط المعتبرة فيه شرعا، لأنّه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض بقصد التعظيم. و الظاهر أنّ الشارع لم يتصرف في مفهومه كمفاهيم سائر الألفاظ المستعملة في الأخبار، من الركوع، و القيام، و الوقت، و غيرها.

فليس لها حقائق شرعيّة، بل هي باقية على معانيها اللغوية، غاية الأمر زاد الشارع فيها قيودا و شرائط، مثل طهارة المسجد، أو كونه مما يصح السجود عليه و نحو ذلك. فعليه لو أتى بذات السجدة و لو فاقدة لشرطها- كطهارة المسجد- فقد أتى بالسجدة، فيشمله المستثنى منه في حديث «لا تعاد.» فلا تجب الإعادة. نعم لو لم يسجد رأسا وجبت الإعادة.

و أما ثانيا: فلاتّفاقهم على بطلان الصلاة بزيادة سجدة عمديّة و لو كانت فاقدة للشرائط المعتبرة، كما لو سجد على النجس أو ما لا يصح السجود عليه. و هذه قرينة على أنّ المراد منها في الأخبار معناها اللغوي.

فتحصل: أنّه لا مانع من التمسك بحديث: «لا تعاد.» في الحكم بعدم وجوب الإعادة لو سجد سجدتين من ركعة واحدة على النجس، أو على ما لا يصح السجود عليه، نسيانا أو جهلا. هذا كله فيما إذا التفت إلى الخلل في السجدة بعد الصلاة.

و أما إذا التفت إليه في الأثناء، فربما يقال: إنّ لازم ما ذكر عدم وجوب تدارك السجدة أيضا، لعموم الحديث.

و فيه: أنّه لا ملازمة بين الأمرين، لاختصاص الحديث بما إذا استلزم التدارك إعادة الصلاة من رأس، و أما إذا تمكن من تدارك الفائت أثناء الصلاة فلا يشمله الحديث. و عليه فلو أتى بسجدة واحدة غير واجدة للشرط، و كان محلها باقيا- كما إذا التفت إلى ذلك بعد رفع رأسه من السجدة-

فقه الشيعة - كتاب الطهارة، ج‌4، ص: 262‌

..........

______________________________
وجب تداركها، فيسجد على الطاهر إن أمكن. و أما إذا أتى بسجدتين كذلك فالتفت بعد رفع الرأس عنهما فيسجد على المحل الطاهر للسجدة الثانية، و يقضى الأولى بعد الصلاة، لئلا يلزم زيادة الركن في الصلاة. و بعبارة أخرى:

يمكن تصحيح السجدة الأولى بحديث: «لا تعاد.» لأنّ تداركها يستلزم إعادة الصلاة لفوات محلها، بخلاف السجدة الثانية، فإنّ محلها باق، فيتداركها ما لم يدخل في الركن الآخر.



 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net