الجهة الثامنة : في المراد بالضرر الذي يعتبر احتماله في التقيّة 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الخامس:الطهارة   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 3458


    الجهة الثامنة : في المراد بالضرر الذي يعتبر احتماله في مفهوم التقيّة ، وفي الحكم بجوازها أو وجوبها .

   أمّا في التقيّة بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص في موارد ترك الواجب أو فعل الحرام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 1 .

ــ[273]ــ

تقيّة ، فالقدر المتيقن من الضرر المسوّغ احتماله للارتكاب إنما هو الضرر المتوجه إلى نفس الفاعل ، سواء أ كان بدنياً أم مالياً أم عرضياً ، ويلحق بذلك الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن ، لعدة من الروايات الواردة في جواز الحلف كاذباً لأجل حفظ أموال المسلمين وقد طبق على ذلك في بعضها قوله : «كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقيّة» (1) .

   مع انّ المفروض أنه لا ضرر ولا ضرورة في ترك الحلف على نفسه ، بل الضرورة والضرر متوجهان إلى الأخ المؤمن أو المسلم ، فمن تطبيق الكبرى المذكورة على موارد الضرر المتوجه إلى الأخ المؤمن نستكشف أن الضرر المسوغ للتقية أعم من ضرر نفس الانسان وضرر أخيه المؤمن .

   ثم إنّا نتعدى من مورد الروايات وهو التضرر المالي للأخ المؤمن إلى التضرر العرضي والنفسي بطريق الأولوية ، وعليه فالجامع فيما يسوغ التقيّة في ترك الواجب أو في فعل الحرام إنما هو الضرر المتوجه إلى النفس أو الأخ المسلم في شيء من المال أو العرض أو النفس .

   وأما إذا لم يترتب على ترك التقيّة ضرر على نفسه ولا على غيره ، بل كانت التقيّة لمحض جلب النفع من الموادّة والتحابب والمجاملة معهم في الحياة ، فلا تكون مسوّغة لارتكاب العمل المحرم ولا ترك الفعل الواجب ، فليس له الحضور في مجالسهم المحرمة كمجلس الرقص وشرب الخمر ونحوهما لأجل المجاملة ، لعدم تحقق مفهوم التقيّة حينئذ حيث لا ضرر يترتب على تركها .

   نعم ، لا بأس بذلك في خصوص الصلاة ، فان له أن يحضر مساجدهم ويصلي معهم للمداراة والمجاملة من دون أن يترتب ضرر على تركه بالنسبة إلى نفسه أو بالاضافة إلى الغير ، وذلك لاطلاقات الأخبار الآمرة بذلك ، لأن ما دلّ على أن الصلاة معهم في الصف الأوّل كالصلاة خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غير مقيد بصورة ترتّب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 23 : 227 / أبواب كتاب الايمان ب 12 ح 16 وغيره .

ــ[274]ــ

الضرر على تركها ، بل قد عرفت أن حملها على تلك الصورة حمل لها على مورد نادر لبعد أن يكون ترك الحضور في مساجدهم أو ترك الصلاة معهم مرة أو مرتين أو أكثر مستلزماً لاشتهاره بالتشيّع ومعروفيته به ، أو لأمر آخر موجب لتضرره .

   نعم ، إذا ترك ذلك بالكلية أمكن أن يستلزم الضرر ، بل قد قدمنا أن ظاهر هذه الروايات هو الحث والترغيب إلى إظهار الموافقة معهم في الصلاة أو في غيرها من الأعمال بالقدرة والاختيار ، لا من جهة الخوف والالتجاء والتقيّة .

   وقد ورد أن الصلاة معهم من حيث الأثر والثواب كالصلاة خلف من يقتدى به حيث قال (عليه السلام) «يحسب لك إذا دخلت معهم وإن كنت لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من يقتدى به» (1) وهو أيضاً غير مقيد بصورة خوف الضرر عند ترك الصلاة معهم ، فجواز الحضور عندهم أو الصلاة معهم وعيادة مرضاهم وغير ذلك من الاُمور الواردة في الروايات غير مقيد بصورة ترتب الضرر على تركها وإنما ذلك من باب المجاملة والمداراة معهم .

   ولقد صرح بحكمة تشريع التقيّة في هذه الموارد وعدم ابتنائها على خوف الضرر في صحيحة هشام الكندي قال «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : إياكم أن تعملوا عملاً نعير به ، فان ولد السوء يعير والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً ، صلّوا في عشائرهم(2) وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبدالله بشيء أحب إليه من الخباء ، قلت : وما الخباء ؟ قال : التقيّة» (3) لدلالتها على أن حكمة المداراة معهم في الصلاة أو غيرها إنما هي ملاحظة المصلحة النوعية واتحاد كلمة المسلمين من دون أن يترتّب ضرر على تركها ، فان ظاهرها معروفية أصحابه (عليه السلام) بالتشـيّع في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 299 / أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 3 .

(2) هكذا في الكافي [ 2 : 174 / 11 ] والوسائل وفي الوافي «في عشائركم» راجع المجلّد الخامس  ص  689 ح 2 .

(3) الوسائل 16 : 219 / أبواب الأمر والنهي ب 26 ح 2 .

ــ[275]ــ

ذلك الوقت ، ولم يكن أمره بالمجاملة لأجل عدم انتشار تشيّعهم من الناس ، وإنما كان مستنداً إلى تأديبهم بالأخلاق الحسنة ليمتازوا بها عن غيرهم ويعرفوا الشيعة بالأوصاف الجميلة وعدم التعصب والعناد واللجاج وتخلقهم بما ينبغي أن يتخلق به حتى يقال : رحم الله جعفراً ما أحسن ما أدب أصحابه .

   كما ورد في رواية زيد الشحام عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال : «يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم ، صلّوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا ، فانكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية ، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه ، واذا تركتم ذلك قالوا : هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه»(1).

   وقد ورد في صحيحة عبدالله بن سنان أنه قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : اُوصيكم بتقوى الله ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا ، إن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه: (وقولوا للنّاس حسناً ) ثم قال : عودوا مرضاهم واحضروا جنائزهم واشهدوا لهم وعليهم ، وصلّوا معهم في مساجدهم حتى يكون التمييز وتكون المباينة منكم ومنهم» (2) .

   وعلى ذلك لا يتوقف جواز الصلاة معهم على ترتب أي ضرر على تركه ولو احتمالاً ، وهذا قسم خاص من التقيّة فلنعبر عنه بالتقية بالمعنى الأعم ، لمكان أنها أعم من التقيّة بالمعنى العام ، إذ لا يعتبر في ذلك ما كان يعتبر في ذلك القسم من خوف الضرر واحتماله على تقدير تركها ، بل هذا القسم خارج من المقسم ، لعدم اعتبار احتمال الضرر في تركه .

   هذا ، وفي بعض الكلمات أن الأخبار الآمرة بالصلاة معهم وحضور مجالسهم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل 8 : 430 / أبواب صلاة الجماعة ب 75 ح 1 .

(2) الوسائل 8 : 301 /  أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 8 ، 12 : 7 /  أبواب أحكام العشرة ب 1 ح 6 .

ــ[276]ــ

مختصّة بصورة خوف الضرر على تقدير تركها ، إلاّ أن سبر الروايات الواردة في هذا الباب المرويّة في الوسائل في أبواب مختلفة كباب العشرة من كتاب الحج ، وفي كتاب الأمر بالمعروف وكتاب الايمان يشهد بعدم تمامية هذا المدعى ، لاطلاقاتها وعدم كونها مقيّدة بصورة الخوف على تقدير تركها .

   فبناء على ذلك لا بدّ من حمل ما ورد من أنه ليس منّا من لم يجعل التقيّة شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره (1) على التقيّة بهذا المعنى الأخير كما في حضور مجالسهم والصلاة معهم ، لأنها التي لا يعتبر فيها خوف الضرر ، ولا يمكن حملها على التقيّة بالمعنى المتقدم في ترك الواجب وفعل الحرام لتقومها بخوف الضرر كما مر ، ولا خوف من الضرر مع من يأمنه أو في التقيّة في الباطن كما هي المراد من قوله (عليه السلام) «شعاره ودثاره» أي في باطنه وظاهره ، ومن هنا يحرم على المكلف الارتماس في الماء في نهار شهر رمضان إذا كان عنده من العامة من لا يخاف منه على نفسه ولا على غيره ، وهذا وإن كان حملاً للرواية على غير ظاهرها إلاّ أنه مما لا بدّ منه بعد عدم إمكان التحفظ على ظهورها . على أنها ضعيفة السند فليلاحظ .
ـــــــــــــــ

(1) الوسائل 16 : 212 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ح 29 .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net